التقدم الذي قال به الإيرانيون، لدى اختتام جولة المفاوضات الأخيرة مع الأميركيين في جنيف، وصفه البعض بأنه "تقدم في الطريق المسدود". لم يشارك الأميركيون الإيرانيين هذا التفاؤل، بل اختصر ترامب مدة الشهر التي وضعها سابقاً لإنهاء المفاوضات، إلى 10 أيام، حسب ما أعلنه في جلسة افتتاح "مجلس السلام" الخميس في 19 الجاري.
ووفقاً لما تناقلته الأنباء في اليوم التالي، حتى هذه الأيام قد تختصر إلى ساعات. فقد نقل موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW في 19 الجاري عن مصادر شبكة CBS التلفزيونية الأميركية، تأكيدها بأن العسكريين الأميركيين يعلنون عن استعدادهم لشن الضربات المحتملة على إيران يوم السبت في 21 الجاري، وقد تستمر الضربات إلى ما بعد نهاية الأسبوع.
ووفق مصادر القناة الأميركية، لم يتخذ ترامب قراره النهائي بعد بشأن شن هذه الضربات، ويواصل البيت الأبيض دراسة مخاطر التصعيد التي تنطوي عليها العملية. وخلال الأيام الثلاثة المقبلة، سيقوم البنتاغون بسحب بعض الأفراد مؤقتاً من منطقة الشرق الأوسط إلى أوروبا أو الولايات المتحدة بشكل أساسي.
كما ينقل الموقع الألماني عن مصادر Axios تأكيدها بأن العملية الأميركية في إيران قد تكون، على الأغلب، حملة واسعة تمتد لعدة أسابيع، وستكون شبيهة بالحرب الشاملة أكثر من العملية الخاطفة في فنزويلا. ويرجح Axios أن يكون الحديث يدور عن حملة أميركية إسرائيلية مشتركة، ستكون أكبر بكثير من حرب الإثني عشر 12 يومًا في حزيران / يونيو 2025، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة.
يحرص نظام الملالي على ألا يبدو في موقع الضعيف الخائف من العملية الأميركية الإسرائيلية المحتملة في أي وقت قرب، ويتمسك بشكليات لم تكن مثيرة للسخرية في زمن مضى، مثل رفض المفاوضات المباشرة، والتمسك بوجود وسيط يتنقل بين الطرفين. ويرد على التهديدات الأميركية بخطاب مرتفع النبرة، غير مستند إلى ما هو جدي يدعمه. فقد نقل موقع الخدمة الروسية في BBCفي 17 الجاري عن خامنئي في رده على تهديدات ترامب بحاملات الطائرات، بالقول "إن ما هو أخطر من حاملات الطائرات، هو السلاح الذي يرسلها إلى قاع البحر. وترامب يقول إن الجيش الأميركي هو الأقوى في العالم. لكن الجيش الأقوى في العالم، قد يتلقى أحياناً ضربة لا يستطيع النهوض بعدها".
تشير الأنباء إلى أنه، إضافة إلى حاملة الطائرات إبراهام لنكولن المتواجدة قرب إيران، تتجه إلى الشرق الأوسط حاملة الطائرات الأميركية الأخرى جيرالد فورد، وقد تبلغه في الأسابيع الثلاثة المقبلة. وتحدث موقع the Insider الروسي المعارض في 16 الجاري عن احتمال توجه حاملة الطائرات الأميركية الثالثة "جورج بوش" إلى المنطقة.
بعد حملة القمع الوحشي التي واجه بها نظام الملالي احتجاجات الإيرانيين الأخيرة، من المستبعد أن يحظى بالتفاف الإيرانيين حوله في مواجهة الضربات الأميركية الإسرائيلية المنتظرة. ويكاد يجمع الخبراء على حتمية تجدد الاحتجاجات، لكنهم يختلفون في تحديد موعد اندلاعها من جديد. وينقل موقع the Insider في تحقيق اجراه داخل إيران، عن الإيرانيين رفضهم للمفاوضات التي تجريها الإدارة الأميركية مع نظام الملالي. ويجمع الإيرانيون الرافضون للنظام على القول "نحن لم نبذل الدماء من أجل أن يجروا مفاوضات معهم".
نقل the Insider عن المتخصص الروسي بالشؤون الإيرانية ميخائيل بارودكين حديثه عن الوضع الاقتصادي المتدهور في إيران، وعن العقوبات التي من دون رفعها لا أمل في تحسن هذا الوضع. كما تحدث عن تدهور ظروف الحياة والفقر وسط فئات واسعة من الشعب الإيراني، لكنه لا يرى أن هذا الوضع سيؤدي بالضرورة إلى سقوط النظام. ويقول إن ظروف الحياة في كوريا الشمالية أسوأ بما لا يقاس، ومع ذلك لم يسقط نظام آل كيم. ويرى أن الصعوبات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة قد تؤدي إلى تجدد الاحتجاجات التي تتسبب بالإنقسام بين النخب، "وقد لا تتجدد هذه الاحتجاجات".
الخبير الروسي المعروف بالشؤون الإيرانية نيكيتا سماغين لا يتفق مع بارودكين، ويرى أن الاحتجاجات حتماً ستتجدد، "لكن من الصعب القول بعد أيام أو سنوات".
يشير الموقع إلى أن الخبراء يتفقون على أن الضربات الجوية وحدها لا تعني تغييراً سريعاً ومضموناً للنظام. لكن التدخل العسكري قد يضعف النظام بشكل كبير: فتدمير البنية التحتية العسكرية وقواعد الحرس الثوري الإيراني، قد يشل النظام مؤقتاً ويخلق فرصة سانحة لانتفاضة جديدة. وينقل عن ميخائيل بارودكين إشارته إلى أنه بعد سقوط النظام الثيوقراطي في إيران، قد تظهر سلطة أكثر وداً للولايات المتحدة: "الشعب الإيراني عموماً يميل إلى الغرب. وقبل ثورة 1979، كان النظام موالياً للغرب كلياً، فضلاً عن كونه شريكاً استراتيجياً لإسرائيل. وبناءً على ذلك، فإن رحيل النظام المتعصب الحالي يُعطي كل الأسباب للاعتقاد بأن السلطة الجديدة، غير المقيدة بالأيديولوجية الإسلامية المتطرفة، ستتصرف بشكل طبيعي".
موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 19 الجاري نصاً استعرض فيه العوامل الإيجابية والسلبية للضربة الأميركية لإيران، والتي يدرسها ترامب.
استهل الموقع نصه بالقول إن القرار بشأن ما سيحدث في الشرق الأوسط في المستقبل القريب، يتعلق بشخص واحد: الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ففي سياق المفاوضات التي بدأت مع إيران، أمر بإرسال ما وصفه بـ"أسطول رائع" إلى المنطقة، ثم عززه بحاملة طائرات إضافية ومئات الطائرات. لكن ترامب لم يحسم قراره بعد.
عقد فريقه اجتماعًا الليلة الماضية في غرفة العمليات بالبيت الأبيض لمناقشة الوضع في إيران وإمكانية توجيه ضربة إليها. لم يشارك الرئيس بنفسه في النقاش، بل تلقى إحاطة من مستشاريه وممثليه الخاصين للمفاوضات، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، حول سير المحادثات. وذكرت وسائل الإعلام الأميركية أن الجيش الأميركي قد يُنهي استعداداته لعملية محتملة بحلول نهاية الأسبوع، لكن من غير الواضح ما إذا كان ترامب سيتخذ قرارًا بحلول ذلك الوقت.
وفق شبكة CNN، يُكرّس ترامب وقتاً طويلاً لهذه القضية. ويُقال إن مفاوضات جنيف قد قرّبته من اتخاذ قرار، قد يكون عسكرياً. وأفاد مصدرٌ للشبكة أن ترامب يناقش سراً مع مستشاريه وحلفائه إيجابيات وسلبيات توجيه ضربة عسكرية لإيران.
ينقل الموقع عن الشبكة الأميركية إشارتها إلى العوامل التي تشجع على توجيه ضربة لإيران، ويأتي في طليعتها ما تسميه الشبكة "عامل الإرث التاريخي". فمن المحتمل أن ترامب يسعى إلى دخول التاريخ بوصفه الرئيس الذي استطاع إنهاء الصراع مع إيران، أو بوصفه الرئيس الذي أجبر إيران على الرضوخ للشروط الأميركية والاستسلام عملياً، "في حال نجحت العملية".
العامل الثاني تراه الشبكة في ضعف النظام الإيراني غير المسبوق، وضعف أذرعه، وأزمة اقتصاده الخانقة، مما يدفع السواد الأعظم من الإيرانيين للوقوف ضد النظام والخروج إلى الشوارع.
العامل الثالث، ازدياد ثقة ترامب في استخدام القوة بعد نجاحه في فنزويلا، والذي يعتبر انتصاراً سياسياً له. إضافة إلى ذلك، لم يؤد اغتيال قاسم سليماني العام 2020 إلى حرب إقليمية، كما خشي الكثيرون آنذاك.
أما العوامل التي تعمل ضد توجيه الضربة، فتأتي في طليعتها المخاطر الداخلية والسياسية المحيطة بالضربة المحتمة. فغالبية الأميركيين، حسب CNN، تقف ضد إشعال حرب جديدة.
العامل الثاني هو ما يسمى "اليوم التالي" بعد سقوط النظام الإيراني، إذا تحقق ذلك بالضرية الجوية. وإذا تمكن النظام من البقاء، فليس من ضمانات بقبوله للشروط الأميركية.
العامل الثالث، آثار إغلاق مضيق هرمز الذي يهدد به النظام الإيراني على إمدادات النفط والاقتصاد العالمي.




