العنف في عصر الوسيط الكوني أو الذكاء الاصطناعي

بلال خبيزالجمعة 2026/02/20
Image-1771531581
التحولات لا تحدث في المجال السياسي فقط، بل تطاول تعريف الإنسان نفسه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

العنف اليوم لم يعد قابلاً لأن يتم تعريفه بوصفه صراعاً على الموارد، أو بوصفه انفجاراً أيديولوجياً بين سرديات متنافسة حول الحقيقة أو الهوية أو العدالة. التكنولوجيا قربتنا كثيراً من افتتاح طور تاريخي جديد سيصبح فيه العنف نتيجة لفشل الكيانات، أفراداً كانوا أم جماعات أم دولاً، في أن تكون قابلة للتمثيل داخل النظام الذي يدير الواقع نفسه. في هذا الطور، يبدو دور الذكاء الاصطناعي أعمق كثيراً من كونه أداة تقنية إضافية، بل يمكن القول إنه سيتحول إلى وسيط كوني يعيد تعريف شروط البقاء السياسي، ومعايير الشرعية، وحتى إمكان تماسك الذات الفردية. وهذا التحول لا يعني نهاية العنف، بل يعني إعادة صياغة شروط إنتاجه.

 

من الأداة إلى الوسيط

في القرون السابقة، كانت الوسائط، من الطباعة إلى الإعلام الجماهيري، تعمل كأدوات تضخيم أو تسريع للأحداث والتطورات. الذكاء الاصطناعي اليوم ليس مجرد قناة نقل، بل هو أقرب ما يكون إلى بيئة إدراكية. إذ يعمل كبنية ترجمة شاملة: يترجم المصالح إلى بيانات، والبيانات إلى نماذج، والنماذج إلى قرارات. وهذا التطور يعني، حكماً، أن الوجود السياسي لم يعد يُقاس فقط بالسيطرة على الأرض أو السلاح أو الموارد، بل بالقدرة على الظهور داخل أنظمة القراءة العالمية: أن تكون مرئياً معلوماتياً، مفهوماً سردياً، وقابلاً للمقارنة حسابياً. وعليه، فإن السؤال يتحول من: ماذا تريد؟ إلى: هل يمكن للنظام أن يفهم ما تريد؟

في القرون السابقة كان العنف ينتج من الصراع على الموارد، واختلاف العقائد، وتنافس الهويات. لكن العنف في العصر الخوارزمي أصبح ينشأ من حالة أكثر تجريداً، هي حالة اللامرئية البنيوية. فأي كيان لا يمكن إدخاله في نظام التقييم العالمي، يصبح خارج الحساب وخارج التفاوض وخارج الكلفة الأخلاقية والسياسية. وهذا في واقع الأمر، تحول بالغ الخطورة: الإبادة أو التدمير لم يعد يتطلب بالضرورة نزع الإنسانية عن الخصم؛ يكفي أن يصبح الكيان غير قابل للتمثيل داخل النظام الذي يدير الواقع، ليصبح بقاؤه أو زواله أمراً مرهوناً به وحده، وبقدرته على البقاء ضمن شروط بالغة الصعوبة، وتزداد صعوبتها يوماً بعد يوم. 

 

القابلية للترجمة

البقاء السياسي في العالم الذي يتشكل أمامنا اليوم، بات يتطلب الصمود على ثلاثة مستويات مترابطة، أولها هو الظهور المعلوماتي، أي توافر بيانات عنك، عن اقتصادك، عن مجتمعك، عن سلوكك المؤسسي. وثانيها هو الظهور السردي؛ أي أن تكون مصالحك مفهومة ضمن لغة عالمية مشتركة. وثالثها هو الظهور الحسابي، بمعنى أن تكون مصالحك قابلة للإدخال في نماذج المقارنة والمفاضلة. وهذا لا يحقق العدالة طبعاً، لكنه يعني استمرار الحضور داخل مجال القرار. فما يجري اليوم يشبه في كثير من جوانبه، ما جرى مع ولادة الدولة الحديثة التي تخللتها، أي هذه الولادة، عمليات إقصاء وتجاهل لا تحصى، حين حصرت الحق بالمواطنة بفئة قليلة من الملّاك الذكور، واعتبرت فئات المجتمع الأخرى ونساءه وعبيده أقل من أن تؤخذ مصالحهم ورغباتهم في الاعتبار. 

 

نهاية الخطاب التبشيري

عبر التاريخ، لطالما كان الخطاب الوعظي الأيديولوجي قادراً، على إنتاج عنف إبادي لأنه كان يعمل في فضاء غير خاضع للتدقيق اللحظي. كان يمكن لسردية واحدة أن تكتسح الواقع من دون أن تضطر إلى ترجمة نفسها إلى لغة يفهمها الخصم. أما الوسيط الجديد المتمثل بالذكاء الاصطناعي بكافة مستوياته، فيفرض ضغطاً دائماً نحو الترجمة، ويطالب دائماً بالتفسير، والمقارنة، ويسأل عن قابلية التحقق، وينحو نحو فرض تسويات ومراعاة مصالح متبادلة، وقياس الخسائر والأرباح. وهذا التشدد التسووي لن يلغي الدعاية الإيديولوجية نهائياً لكنه سيرفع كلفتها البنيوية من دون شك. 

إلى هذا، فإن هذا الوسيط الجديد لا يوزع الحماية بالتساوي، بل ينتج انقساماً جديداً بين كيانات محمية نسبياً، وهي الدول والمجتمعات التي تملك مؤسسات قابلة للقياس، ومجتمعات مندمجة في الاقتصاد المعلوماتي، وكيانات قادرة على إنتاج بيانات موثوقة. وبين تلك التي تفتقر إلى هذا كله أو إلى بعضه. هذا يعني أن الكثير من المجتمعات والكيانات قد تبقى خارج هذه المنظومة، وهي مهددة بالتفكك والخروج من الحساب، والأرجح أن أبرز هذه الكيانات المهددة بالتحلل، هي الكيانات ذات البنى المغلقة معرفياً، والمجتمعات التي ترفض الترجمة إلى لغة عالمية، والأنظمة التي تعتمد على سرديات مكتفية بذاتها. والحق، إن الذكاء الاصطناعي قد لا يدمر هذه الكيانات مباشرة، لكنه على الأرجح، قد يفكك قدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي، لأن أنماط التفكير التي لا تقبل المقارنة أو الترجمة تصبح غير قابلة للاستمرار في بيئة تحليلية دائمة.

 

الذكاء الاصطناعي مسرّعاً للعنف؟

لا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي كابحاً للعنف الإيديولوجي على نحو حاسم. إذ يمكن أن ينقلب إلى مسرّع لهذا العنف عندما تتحقق شروط معينة، كأن تتحول أنظمة التصنيف إلى أدوات إقصاء وجودي، أو أن تصبح الشفافية وسيلة لتحديد أهداف دقيقة للعنف، وكذلك الأمر حين تتحول الرؤية، عند الكوارث، إلى نظام فرز بين القابل للحياة وغير القابل لها. والأهم أنه يصبح بالغ الخطورة، حين يصبح الحجب من مجال الرؤية عقوبة مفروضة، لا مجرد نتيجة للتخلف التاريخي. أي حين يحاول المركز حجب مجال الرؤية وإمكانها عن طرف من الأطراف، لأسباب قد تكون أيديولوجية أيضاً. في هذه اللحظة، لا يعود العنف فوضوياً، بل يصبح شديد الدقة، منخفض الكلفة، وعالي الفعالية. لكن المتغير في وسائل العنف ونتائجها واسع الدلالة، فالعنف المقبل هو بالتعريف عنف إداري، منخفض الكلفة ولا يحتاج إلى حملات وعظ تبشيري وحملات تحريض أيديولوجي، إنه عنف حذف وليس عنف تدمير. 

 

العنف كفشل في الترجمة

بطبيعة الحال، لا يخفى على أي متابع أن الحركات السياسية اليوم تميل أكثر فأكثر إلى تبني خطابات شعبوية، حتى في أكثر الدول والأمم ارتباطاً بالعقلانية والديمقراطية. إذ كيف نفسر اليوم الخطاب الأوروبي الداعي إلى تحصين الهويات الأوروبية في مواجهة الخطاب الأميركي؟ وكيف نفسر ارتفاع شعبية حركات التحشيد الإيديولوجي، من الحروب ضد المهاجرين إلى الصراع ضد المختلف دينياً أو عرقياً أو عقائدياً. لكن هذا الصعود لا يعني أنها باتت هي المتحكم في مسار المستقبل، والأرجح أن هذا التصاعد في الشعبوية يشبه رقصة الديك المذبوح قبل أن تفقده الآلة قدرته على التأثير في الاجتماع، وتحصره في مجال "الترند"، الذي سيجعل صوته مسموعاً، إنما لفترة قصيرة جداً قبل أن يرتفع صخب الترند التالي. 

وهذه التحولات لا تحدث في المجال السياسي فقط، بل تطاول تعريف الإنسان نفسه. فنحن في طور الانتقال من إنسان يُعرَّف عبر سرديته، إلى إنسان يجب أن يكون قابلاً للترميز. في العالم السابق، كان من الممكن أن توجد خارج النظام وتبقى موجوداً سياسياً. في العالم المقبل، الوجود خارج النظام قد يعني الذوبان البطيء أو التفكك الداخلي. وقد يكون أخطر ما في العصر الآتي أن العنف لن يُنتج فقط من الكراهية أو الصراع على الموارد أو الاختلاف العقائدي. بل قد ينتج من الفشل في أن تكون قابلاً للترجمة داخل النظام الذي يدير الواقع نفسه. في هذا العالم، لن يكون التحدي الأساسي هو فقط الدفاع عن المصالح، بل ضمان أن تكون هذه المصالح قابلة لأن تُرى، وأن تُفهم، وأن يحسب النظام لها حساباً. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث