تكشف نتائج "المؤشر العربي 2025" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مطلع عام 2026، عن خريطة معقدة لكن واضحة المعالم لإدراك التهديد لدى المواطن العربي، حيث سجّلت الأرقام وعياً واضحاً ومستمراً عبر السنين، ومتوافق عليه بقوة بين مواطني الدول العربية، حول القضايا العربية المشتركة.
في التقرير، تأتي إسرائيل في طليعة الدول التي تعتبر مصدراً للتهديد الأكبر لأمن واستقرار الدول المنطقة، بنسبة 44 %، وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية؛ بنسبة 21 % من المستجيبين. أما إيران، فقد رأى 6 % من المستجيبين أنها تُهدد أمن المنطقة واستقرارها، في حين ارتفعت نسبة مَن لا يجدونها تهديداً عن النسب التي كانت تُسجل سابقاً خلال الأعوام التي شملها المؤشر.
يكشف المؤشر عن تباين بسيط في تراتبية تصورات التهديد بين البلدان، حيث اعتبر المستطلعون في فلسطين والعراق أن الولايات المتحدة هي التي تمثل التهديد الأكبر، وأتت إسرائيل في المرتبة الثانية، بينما اعتُبرت إيران مصدر التهديد الرئيسي في السعودية مع الإشارة إلى أن 42.2 % من المستجيبين السعوديين أجابوا بـِ "لا أعرف" أو رفضوا الإجابة عن هذا السؤال.
نظرياً، كيف يُفهم تصور التهديد؟
استراتيجياً، لا يعد تصور أو إدراك التهديد أمراً ثابتاً؛ بل يتطور مع المعلومات الجديدة وتغيّر الديناميات الدولية، مما يجعل تحليله أمراً حاسماً لفهم الأزمات والأمن الدولي. ويمكن تعريف "تصوّر التهديد" بأنه التقييم الذاتي الذي تجريه الدول بشأن ما إذا كانت قدرات ونوايا فاعلٍ آخر تشكّل خطراً مباشراً على أمنها، وهو يدمج بين عوامل موضوعية مثل القوة العسكرية، وبين تفسيرات ذاتية للنوايا، التي غالباً ما تتأثر بعلم النفس السياسي.
لكن، واقعياً لا تأتي "تصورات" التهديد بصورة مجردة ونتيجة لحسابات القوة المادية فحسب، بل هي نتاج عملية معقدة تتداخل فيها عوامل عدّة. ووفقاً لنظرية "توازن التهديد" تُقيّم الدول التهديدات بناءً على القوة الإجمالية، والقرب الجغرافي، والقدرات الهجومية، والأهم من ذلك تصوراتها لنوايا الآخر. وهذه التصورات عادةً ما تختلف عن الواقع الموضوعي بسبب الانحيازات الإدراكية، وسوء الفهم، والذاكرة الجماعية التاريخية. فقد يبالغ القادة في تقدير التهديدات (مما يؤدي إلى صراعات غير ضرورية)، أو قد يقللون من شأنها (مما يؤدي إلى هجمات مفاجئة).
كيف نفهم المؤشرات الإحصائية الحالية؟
عند إسقاط الإطار النظري لتصورات التهديد على نتائج "المؤشر العربي 2026"، يمكننا استخلاص الاستنتاجات الآتية:
- يكشف المؤشر العربي أن المواطن العربي يتعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل كـَ "وحدة عضوية" واحدة. هذا الإدراك ناتج عن "السلوك العدواني" الإسرائيلي الملموس في غزة ولبنان، والدعم الأميركي الثابت وغير المشروط لإسرائيل. في هذا الإطار، تبرز مفارقة لافتة، حيث أن الولايات المتحدة التي تعتبر تاريخياً "ضامنة للأمن" في الخليج تحوّلت إلى "مصدر للتهديد" في الوعي الشعبي.
- حاولت مراكز الأبحاث الإسرائيلية ومنها مؤتمر هرتسيليا، ولسنوات، الترويج لفكرة أن "التهديد الإيراني" قد حلّ محل "التهديد الإسرائيلي" في الوعي العربي ولدى صنّاع القرار. لكن الأرقام في التقرير، تثبت فشل هذا الإسقاط؛ فبينما ترى الغالبية على مستوى العالم العربي إسرائيلَ كتهديد أكبر، تنخفض النسبة تجاه إيران بشكل ملحوظ في المشرق والمغرب العربي، وتبقى محصورة في سياقات إقليمية تنافسية في الخليج على نحوٍ أساسي. عملياً، هذا يعني أن "التهديد الوجودي" (إسرائيل) دائماً ما يزيح "التهديد التنافسي" (إيران) في ترتيب الأولويات الأمنية للشعوب.
- تُظهر النتائج وجود رؤى واضحة ومتسقة لدى المواطنين العرب في القضايا التي تهم المنطقة ككل. فانطلاقاً من اعتبار إسرائيل التهديد الأكبر، رفضت غالبية المستطلعين اعتراف بلدانهم بإسرائيل بنسبة 88%، بينما وافق 5% فقط على ذلك. ويتسق هذا مع موقف عبرت عنه الغالبية أيضاً، التي اعتبرت أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعًا، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم.
- وبالمثل، يظهر التقرير أن 83% من العرب يعتبرون أن الفساد منتشر في بلدانهم، وأنه يشكّل تهديداً للديمقراطية وبناء الدولة والحكومة. كذلك اعتبرت الأغلبية من المستطلعين أن حكوماتهم غير جدية في مكافحة الفساد.
بالنتيجة، يبدو من مؤشرات التقرير، إن العداء الإسرائيلي هو "ثابت بنيوي" وليس متغيراً سياسياً يمكن تجاوزه. ولذا، يشكّل التقرير جرس إنذار للدول العربية بأن الشعوب العربية لا تجد أن تحقيق الأمن القومي العربي يمكن أن يتم عبر أحلاف أو تطبيع مع مصدر التهديد نفسه (إسرائيل).




