تنطلق في جنيف اليوم الثلاثاء جولة المفاوضات الثلاثية الجديدة، بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا، بعد أن توافقت العواصم الثلاث على نقلها من الشرق لأوسط إلى أوروبا. ولم ير الناطق بإسم الكرملين من سبب لهذا التغيير في المكان، سوى توافق كل الأطراف على أن جنيف هي المكان المناسب للجميع، في ظل الحياد السويسري المعهود. ورأت وكالة تاس عشية المفاوضات أن سويسرا تضمن أمن وصول الوفد الروسي المؤلف من 15 شخصاً، ويضم نائب وزير الخارجية ميخائيل غالوزين. وفي حين بقي الوفدان الأميركي والأوكراني على حالهما، شهد الوفد الروسي تغييراً في قيادته، فأصبح برئاسة مساعد الرئيس الروسي فلاديمير ميدينسكي المعروف بتشدده، بدل قائد المخابرات العامة للجيش الروسي إيغور كوستيكوف.
كان يمكن الافتراض بأن حلول سياسي مكان عسكري في قيادة الوفد الروسي، يؤكد ما ذهب إليه الجميع من أن روسيا قد غيرت لهجتها في جولتي مفاوضات أبو ظبي السابقتين. لكن ميدينسكي الذي قاد كل جولات المفاوضات الثنائية السابقة بين روسيا وأوكرانيا، يتولى في الكرملين مسؤولية القضايا الثقافية والتاريخية، وسبق أن أشرف على وضع كتاب التاريخ المقرر في مؤسسات التعليم الروسية، والذي ينفي تاريخية وجود أوكرانيا ككيان مستقل عن روسيا. وسبق للمسؤولين الأميركيين أن أعربوا للروس والأوكران عن رغبتهم في عدم رؤية أشخاص متشددين في الفريقين المفاوضين.
وعلق الأمين العام لحلف الناتو مارك روته على عودة ميدينسكي لقيادة المفاوضات مع أوكرانيا بالقول أن بوتين سيرسل مجدداً إلى المفاوضات هذا المؤرخ الذي سيلقي على الأوكران محاضرة عن السويد "أو ما شابه". وليست المرة الأولى التي ينتقد فيها روته فلاديمير ميدينسكي، إذ سبق أن قال في حزيران/يونيو الماضي، حين تجددت المفاوضات الروسية الأوكرانية في إسطنبول، إن على بوتين نفسه أن يكون على طاولة المفاوضات بشأن إنهاء الأعمال الحربية، لا أن يرسل هذا المؤرخ الذي سيحدثنا عن تاريخ روسيا وأوكرانيا منذ القرن الثاني عشر، حسب نص نشره في 14 الجاري موقع قناة التلفزة الدولية RTVI الروسية التابع لعملاق البروباغندا الروسية RT، ورأى فيه أن عودة فلاديمير ميدينسكي لترؤس الوفد الروسي قد أثارت غضب أمين عام حلف الناتو.
وحسب موقع كاسباروف الروسي المعارض، الذي نقل في 14 الجاري تصريح مارك روته، نقل أيضاً عن ميدينسكي اقتراحه بأن يرسل إلى أمين عام حلف الناتو كتاب تاريخ القرون الوسطى المدرسي الروسي "لعله يعرف أن أوكرانيا لم تكن موجودة في القرن الثاني عشر".
وسبق لناشر الموقع الروسي المعارض هذا، وبطل العالم السابق لعدة دورات في الشطرنج غاري غاسباروف، أن عبر عن تشاؤمه من إمكانية أن تفضي المفاوضات الثلاثية في جنيف إلى إنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا. ونقل عنه في 13 الجاري موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله الألمانية DW قوله إن المفاوضات كانت محكومة بالفشل منذ انطلاقها. وهي لم تكن مفاوضات من أجل السلام، بل كانت محاولة لعقد صفقة بين ترامب وبوتين. ولهذا بالذات كان المفاوضان من قبل ترامب هما صهره وشريكه بالأعمال. فقد حاول الرئيس الأميركي "بيع جزء من أوكرانيا لبوتين مقابل بعض خبز الزنجبيل الحقيقي".
ورأى كاسباروف أن أميركا في عهد نرامب، لم تنهمك سوى في أعمال التخريب. لقد صدرت عنها تصريحات رنانة، لكن ترامب حاول إجبار أوكرانيا على قبول شروط كارثية، صمدت بوجهه أوكرانيا. كما رأى أن ترامب، وبكل بساطة، ليس لديه ما يقدمه اليوم. وبالنسبة لبوتين، أصبحت الحرب وسيلة لدعم النظام، وغدت كالمخدر الذي لا يستطيع البقاء من دونه. ومن يستمع للبروباغندا الروسية، يكتشف أنها لا تحتوي أي مؤشر يدل على أن الحرب ستنتهي غداً، أو سيحل وقف إطلاق النار.
وأضاف المعارض الروسي بالقول، إنه حتى لو تحقق ذلك، فسيجد بوتين نفسه مضطراً للبحث عن مواقع أخرى لإشعال الحرب، "وستكون بلدان البلطيق على الأرجح". مما يعني أن الحرب ستستمر طالما بقيت لدى بوتين موارد لمواصلتها.
بعد الإنطباع الذي تشكل لدى كل الأطراف تقريباً بعد مفاوضات أبو ظبي الثلاثية، من أن روسيا قد غيرت لهجة خطابها إيجابياً، يبدو أن الكرملين يعمل على محو هذا الإنطباع في مفاوضات جنيف الحالية. فبعد تعيين فلاديمير ميدينسكي المتشدد على رأس الوفد المفاوض، عادت روسيا إلى خطابها السابق المعتاد الذي يلقي مسؤولية اندلاع الحرب على الغرب الذي تتهمه بالوقوف وراء ثورة الأوكران العام 2014 ضد الرئيس الموالي للكرملين.
فقد نقل الموقع الروسي المحلي gosrfفي 15 الجاري عن مقابلة أجرتها وكالة تاس مع الناطق بإسم الكرملين دمتري بيسكوف، اتهم فيها الغرب بتنظيم الانقلاب في أوكرانيا العام 2014 على الرئيس فيكتور يانوكوفيتش. ورأى بيسكوف أنه منذ تلك اللحظة بدأت مرحلة جديدة في التاريخ "تغير كل شيء خلالها". وقال بأنه من الضروري أن نتذكر مشاركة البلدان الغربية في هذه المواجهة، وأنها هي التي أطلقت العنان للقوى التدميرية التي أدت إلى النزاع المسلح.
وذكّر بيسكوف بأن رئيسه بوتين سبق أن أثار مسألة استحالة استعادة العلاقات الطبيعية مع أوكرانيا بعد أحداث عام 2014. وقال بأن تصرفات الغرب أدت إلى إنشاء مشروع "معادٍ لروسيا" على الأراضي الأوكرانية، وهو مشروع ذو جذور تاريخية عميقة.
أشار الموقع إلى اجتماع موسع لمجلس وزارة الدفاع الروسية لم يذكر تاريخه، تحدث فيه بوتين وقال بأن الصراع المسلح في أوكرانيا بدأ نتيجة للانقلاب العسكري والهجوم اللاحق للجيش الأوكراني في منطقة الدونباس. وأضاف بوتين بالقول إن روسيا، وعلى الرغم من سياسة الغرب العدائية، تواصل سعيها للتوصل إلى حل سلمي للنزاع.
روسيا بوتين التي أحكمت طوق العزلة حول نفسها بشن الحرب على أوكرانيا التي تصادف سنويتها الرابعة في 22 الجاري، تعتبر المفاوضات الثلاثية فرصة ثمينة بالنسبة لها، لا ينبغي إضاعتها تحت أي ظرف من الظروف. فقد منحتها إمكانية التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، وحول قضايا لا علاقة مباشرة لها مع الحرب. وفي الوقت عينه، تعتبر أن ليس من مصلحتها إنهاء الحرب الآن، إذ تعتقد أنها تتقدم لمصلحتها في ميدان القتال، والنصر أصبح قريباً على أوكرانيا والغرب من خلفها. ولذلك تعمل على تمديد الوقت في المفاوضات، ولا تريد إثارة غضب ترامب باعتماد لهجة خطاب متعنتة دائماً، بل تناور في لهجتها لتبقي على مسار تفاوضي لا يفضي إلى أي نتيجة ملموسة.
لكن مناورات بوتين ومماحاكته في المفاوضات لم تنطل على ترامب الذي صرح أكثر من مرة أن بوتين يحاول التلاعب به. وقد عاد فريقه من جديد ليذكر بوتين بأنه غير متأكد من صدق نوايا روسيا بالعمل على إنهاء الحرب. فقد نقل في 14 الجاري موقع medusa الروسي المعارض عن الموقع الرسمي للخارجية الأميركية تصريحاً للوزيرالأميركي، قال فيه إن الإدارة الأميركية لا تعرف إذا كان الروس جادين في سعيهم لإنهاء الحرب، "لكننا سنواصل التحقق" من ذلك. وأضاف روبيو بالقول إن الإدارة لا تعرف الشروط المستعدة روسيا للعمل بموجبها لإنهاء الحرب، وهل ستتمكن إدارة ترامب من العثور على الشروط التي تتقبلها أوكرانيا وكذلك روسيا.




