حسد لبناني- سوري متبادل

عمر قدورالثلاثاء 2026/02/17
Image-1771270225
الحسد المتبادل يشي بالأحوال على الجانبين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لما يسطّره بعض الأشقاء اللبنانيين منذ سقوط الأسد مكانة خاصة، فاللبنانيون عانوا من وصاية الأسد بما يكفي ليبتهجوا ويحتفلوا بسقوطه، جنباً إلى جنب مع السوريين. إلا أن حفاوة نسبة وازنة من اللبنانيين غير مرتبطة فقط بالماضي، وهناك الكثير من الكتابات التي يغبط أصحابُها السوريين، إذا تحاشينا استخدم كلمة "الحسد". ومبرر الغبطة هو أن السوريين تخلّصوا من التأثير الإيراني أيضاً، بل من منظومة الممانعة بأكملها، الأمر الذي لم يتحقق في لبنان، ولن يتحقق من دون تفكيك منظومة حزب الله الذي يعيق الجهود الأميركية الحثيثة مع الحكومة اللبنانية بغرض تفكيكه.

 

عرقلة الحزب المفاوضات بين الإدارة الأميركية والحكومة اللبنانية هي مصدر استياء الكثير من الأشقاء، وتحضر المقارنة (صريحة أو مستترة) مع الوضع في دمشق، حيث صار من المعتاد أن يخرج المبعوث الأميركي توم باراك منها والابتسامة تملأ وجهه. هي مقارنة بين التصلب في الضاحية والمرونة التي تقارب السيلان في دمشق، بخلاف الأمس حيث كان التصلّب سمة مستقرة لسياسة الأسد. هكذا يبدو أن دمشق تخطو إلى الأمام بسرعة شديدة، بينما تتخلّف بيروت عن الركب. ولا ننسى التهديد الإسرائيلي بالحرب التي ستفتقر لأدنى تكافؤ، وهو ما يؤثر بالتأكيد على مواقف العديد من اللبنانيين من المفاوضات الدائرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، وما أعقبه في سوريا.

وإذا تجاوزنا المخاوف الحالية من الحرب، فثمة لدى نسبة كبيرة من اللبنانيين نقمة مصدرها ما يُسمّى سيطرة الحزب على الدولة في لبنان، مع خشية من تفاقم هيمنته متى أتاحت له الظروف ذلك، وبالطبع ينصرف جزء من النقمة في اتجاه الأسد الذي كان عرّاباً لتمكين الحزب في لبنان. لكن، خارج هذا الاعتراض، لا يندر النظر بإعجاب إلى نماذج الدولة القوية، ومنها دولة الأسد لولا دورها في لبنان. ويعرف السوريون الذين عاشوا لأوقات طويلة أو قصيرة في لبنان كيف استنكر أشقاء بسطاء (من خارج الطبقة السياسية والإعلامية) الثورة السورية على الأسد، الذي بحسب ظنّهم يوفّر للسوريين مزايا من قبيل المستشفيات والتعليم المجانيين، وأنواع أخرى من الدعم الحكومي المفتقد في لبنان.

 

في الجهة المقابلة، لطالما حسد سوريون اللبنانيين على الوفرة التي يعيشونها، في حين كانت سياسة التقشّف والندرة مفروضة عليهم. ولطالما لجأ سوريون إلى لبنان للعيش فيه، طمعاً بسقف أعلى من الحريات السياسية والاجتماعية. ويصحّ على الأخيرين القول إنهم كانوا متضررين من تدخل الأسد ثم وصايته على لبنان، إذ فقدوا ملاذاً ورئة كانوا يتنفسون منها كلما عانوا من حكم العسكر والمخابرات.

حتى أثناء الحرب الأهلية بدا لبنان، كما يُرى من الجهة السورية، مكاناً للعيش على نحو مُفتَقد في سوريا. وما لم يكن حاضراً في وعي الجميع بالضرورة أن ميزة الحرب الأهلية في لبنان هي عدم انخراط الدولة اللبنانية كطرف في الحرب، أي بخلاف ما سيحدث في سوريا منذ اندلاع الثورة، وعلى الضد من الدور الذي لعبته "الدولة السورية" التي يتفق لبنانيون على أن يغبطوا أو يحسدوا السوريين عليها!

 

السلطة في سوريا مهيمنة على الدولة، بأدواتها الفظة والناعمة، فلم نسمع مثلاً (على غرار ما حدث في سوريا) أن لبنانيين حرمتهم الدولة من الحصول على وثائق سفر، أو منعتهم من السفر، لأسباب سياسية. هذا مثال بسيط على القوة الناعمة، أما الأمثلة على الوحشية فلا حاجة لتكرارها. باختصار، نجا لبنان من "الدولة القوية"، ومن عواقبها على اللبنانيين، وهذا الاختصار لا يهدف إلى هجاء فكرة الدولة، بل إلى التذكير بأن الدولة التي تحتكر العنف من السهل أن تستخدمه داخلياً، ما لم تكن دولة حريات وديموقراطية.

بعبارة أخرى، نموذج الدولة السورية لا يجب أن يكون طموحاً للبناني، حتى بعد إسقاط الأسد، فما ينظر إليه كإنجاز جديد في سوريا مثل حرية الدخول والخروج، أو غياب المخابرات والرقابة... هذا كله متوفر أصلاً للبناني، ولا يراه إنجازاً في بلده. ورغم هيمنة الحزب لم نسمع مثلاً عن تجاوزات للأمن العام بحق اللبنانيين الواصلين أو المغادرين، على غرار تعامل أجهزة المخابرات السورية سابقاً مع المواطنين، وأحياناً مع الغرباء. ثم إن طبيعة المرحلة في سوريا لا تسمح بالجزم بأن المسار الجديد على علاته سيستمر، ولن يكون هناك نكوص عن الظواهر التي تُمتَدح الآن.

 

يصح القول إن ما يمتدحه أشقاء لبنانيون في سوريا واقعٌ حالياً تحت تأثيرين؛ المقارنة مع عهد الأسد، ولا شك أن ذلك العهد أعطى أفضليات استثنائية لأي عهد لاحق، أما التأثير الآخر فآتٍ من ضغط حزب الله والتخوّفات المتصلة به. وهذا الامتداح يتغاضى عن أمرين؛ أولهما أن ما آلت إليه سوريا، بصرف النظر عن الوضع الانتقالي، ليس نموذجاً مستقراً، ولا نموذجاً يرضي تطلعات اللبنانيين. وحتى الإشادة بمرونة دمشق إزاء واشنطن وتل أبيب لا تكفي، إذا كانت مستحَقّة، للحديث عن نهج سياسي متكامل خارجياً وداخلياً.

الجانب الثاني الذي يتغاضى عنه الامتداح يتعلق بما يريده السوريون، وبما يستحقونه كأي شعب آخر. هنا ثمة إجحاف في النظر إلى ما حصل عليه السوريون بإسقاط الأسد على أنه إنجاز معتبر وكافٍ، مع أنه ضمن بديهيات الدولة، وحتى ضمن بديهيات الدولة اللبنانية. وفيه استمرار للإجحاف السابق، عندما كان يُنظر إلى حصول السوريين على دعم حكومي لبعض السلع والخدمات على أنه بديل كافٍ عن حصولهم على الحقوق السياسية، بل كأن ذلك يبرر ضمناً وقوعهم تحت توحّش نظام مخابراتي.

 

يمكن سوق مفارقات أخرى على الجانبين، فمنذ سنة تقريباً تصاعدت في سوريا الدعوات التي يسعى أصحابها إلى نوع من المحاصصة أو اللامركزية، لتبدو التجربة اللبنانية (على علاتها) متقدّمة على التجربة السورية، حيث تمتنع الأخيرة عن السير على خطى النموذج اللبناني أو العراقي، وتمتنع في الوقت نفسه عن صياغة نموذج سوري يتجاوزهما. في الواقع، حوالى ثلث السوريين باتوا يرون في المحاصصة مأمناً بالمعنى الأمني المباشر، وحماية من الإقصاء والتهميش الفظَّين والناعمَين، ويحسدون اللبنانيين على نظامهم الذي لم يتمنوا مثله من قبل.

الحسد المتبادل يشي بالأحوال على الجانبين، ويشي أيضاً بأن كلاً منهما لم يصبح بعد سقوط الأسد أكثر معرفة بالآخر، أو أكثر حساسية تجاه متاعبه، مثلما يشير إلى عيوب تجربتي البلدين. وإذا كان التاريخ القريب قد جعل الارتباط بين الجانبين قسرياً، فإن التحلل من تلك الرابطة الإجبارية يساعد على تجاوز سوء الفهم المتبادل، والبدء من عتبة تعلو على المقارنات السابقة للتفكير المشترك في النظام السياسي الأصلح للبلدين اللذين يستحقان قضية مشتركة أعلى من الهمّ المشترك الذي كان يمثّله وجود الأسد.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث