كرة الثلج السورية

سلام الكواكبيالاثنين 2026/02/16
D7433E67-B026-43E1-Ad13-544Ce714A9D4
الفراغ الفكري أخطر من الفراغ الأمني (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في العام 2013، وفي ذروة الملحمة السورية، كتبت متحدثاً عن خطر التطرف الديني في صفوف الثورة، وقد أُعتبر ذلك ضرباً من "التهويل" في نظر البعض. كان المزاج العام يميل إلى تفسير كل ظاهرة متشددة بوصفها نتيجة حتمية للقمع المفرط الذي مارسه نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، ولتغوّل أجهزة الأمن، ولخذلان عربي ودولي فادح. لم يكن من السهل، في لحظة الألم الجماعي، التمييز بين تفهّم الأسباب وتبرير النتائج. لكن ما حُذّر منه آنذاك، من تحوّل التطرف إلى كرة ثلج تكبر كلما صمتت النخب أو ترددت، يكاد اليوم يتأكد.

 

لم يكن التحذير رفضاً للثورة ولا تشكيكاً في عدالة قضيتها. بل كان دفاعاً عنها من نفسها، من احتمالات انحرافها حين يُختزل مشروع الحرية في شعارات، ويُترك المجال واسعاً لخطاب تعبوي يغلّب الهوية الدينية الضيقة على مفهوم المواطنة. صحيح أن القمع الوحشي للنظام، وسياساته التي صحرّت المجال العام، وأسست لثقافة الخوف والولاء، أسهمت كلها في إضعاف المناعة الفكرية للمجتمع. لكن الصحيح أيضاً أن تفسير صعود التشدد بوصفه "نتيجة حتمية" فقط، أعفى الفاعلين من مسؤولياتهم الأخلاقية والسياسية.

في تلك السنوات، كان من المقبول نظرياً القول إن التيارات الغريبة عن التدين السوري التقليدي ليست إلا طارئة ستزول بزوال أسبابها. وكان من العلمي تحليل السياقات الاجتماعية والسياسية التي مهّدت لاختراقها الحياة اليومية. لكن ما لم يكن مقبولاً هو الصمت عن ممارساتها حين بدأت تتجذر، أو تبريرها بحجة أولوية المعركة. هنا تحديداً بدأت كرة الثلج بالتشكل.

 

انصرف "البعض" المؤثر من "الكل" المراقب عن التعبير الصريح عن قلقه. صار نقد التشدد يُقرأ باعتباره طعناً في الثورة نفسها. وجرى، بطريقة تشبه محاكم التفتيش الحديثة، قياس "نقاء" الانتماء الثوري بمدى الاستعداد لغضّ الطرف عن التجاوزات. هكذا تحوّل التبرير إلى فضيلة، والصمت إلى حكمة، والتساؤل إلى خيانة. ومع كل تبرير جديد، كانت كرة الثلج تكبر.

إن وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة لا يمكن فصله عن تلك اللحظات التأسيسية. فالتنظيمات لا تنشأ في الفراغ، بل تتغذى على فراغات الخطاب. وحين فشلت النخب السياسية والثقافية في إنتاج خطاب تنويري معتدل، منفتح على مبادئ الديمقراطية والتعددية، تُرك المجال لخطاب أحادي يعد باليقين في زمن الفوضى. لم يكن الأمر انقلاباً مفاجئاً، بل مساراً تراكمياً، بدأت ملامحه حين جرى تأجيل الأسئلة الصعبة بحجة المعركة الكبرى.

 

تخلى الفاعلون الخارجيون، عرباً وعجماً، عن السوريين بعد تبنٍ لفظي لم يُترجم إلى التزام فعلي. لكن التخلي الخارجي، على فداحته، لا يعفي الداخل من مسؤوليته. فالنخب التي راهنت على دعم الخارج، أو انشغلت بحسابات الدور المستقبلي، قصّرت في التأسيس الفكري ليوم آتٍ. وعندما قُطع رأس تمثال أبو العلاء المعري في الرقة عام 2013 على يد متشددين، لم يكن ذلك مجرد فعل تخريبي، بل كان رمزاً لقطع الصلة مع تراث عقلاني نقدي عريق. يومها، كان الصمت تبريراً ضمنياً، وكان التكتيك السياسي يغلب على المبدأ.

اليوم، ونحن أمام واقع سياسي جديد، يتأكد أن الثورات لا تُقاس فقط بإسقاط الأنظمة، بل بقدرتها على بناء بدائل تحترم كرامة الإنسان وحقوقه. إن استبدال استبداد بآخر، أو قمع بلباس ديني بدلاً من لباس أمني، لا يحقق شعارات الحرية التي خرج السوريون من أجلها. بل يعيد إنتاج الحلقة ذاتها بأدوات مختلفة.

 

حذّر نص لي سنة 2013 من "الوهم الثوري العدمي"، من الاعتقاد بأن إسقاط النظام كافٍ بحد ذاته، وأن التفاصيل يمكن تأجيلها. لكن التفاصيل هي التي تصنع المستقبل: شكل الدولة، طبيعة القانون، مكانة المرأة، حقوق الأقليات، استقلال القضاء، حرية التعبير. حين تُترك هذه القضايا للغموض، أو تُختزل في شعارات عامة، تتقدم القوى الأكثر تنظيماً والأشد وضوحاً في طرحها، حتى لو كان طرحها إقصائياً.

إن كرة الثلج التي بدأت كتجمع صغير من التبريرات، تحولت مع الوقت إلى واقع سياسي. لم يعد السؤال اليوم: هل كان التحذير مبالغاً فيه؟ بل: كيف يمكن تفكيك هذه الكرة قبل أن تواصل تدمير ما تبقى من أحلام السوريين؟ الإجابة تبدأ بالاعتراف. الاعتراف بأن الخوف من شق الصف لا يبرر الصمت عن الخطأ. وأن نقد الذات ليس خدمة للخصم، بل شرطاً لبقاء أي مشروع تحرري.

ثمة حاجة ملحة اليوم لخطاب جديد، يتجاوز ثنائية "مع أو ضد"، ويعيد الاعتبار لفكرة المواطنة بوصفها الرابط الأعلى بين السوريين. خطاب لا يختبئ خلف المظلومية لتبرير الإقصاء، ولا يستقوي بالسلاح لفرض رؤية أحادية. خطاب يعترف بتنوع المجتمع السوري، وبحقه في دولة مدنية ديمقراطية، تُحتكم فيها السلطة إلى صناديق الاقتراع والقانون، لا إلى التأويلات المغلقة.

 

أثبتت السنوات الماضية أن الفراغ الفكري أخطر من الفراغ الأمني. فالأول يشرعن الثاني ويمنحه معنى. وإن كانت النخب قد فشلت حتى الآن في صناعة خطاب تنويري جامع، فإن الفرصة لم تضع بالكامل. فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم، والثورات تمر بمراحل مد وجزر. غير أن التعويل على الزمن وحده وهم جديد.

ما بين 2013 و2025، كبرت كرة الثلج لأن كثيرين آثروا الانتظار. واليوم، لا يكفي التشخيص، بل يتطلب الأمر شجاعة فكرية تعيد فتح الأسئلة المؤجلة، وتؤسس لنقد صريح للتجربة بكل تناقضاتها. فالثمن الذي تدفعه النخب لقاء تخاذلها الفكري ليس سمعتها فحسب، بل مستقبل بلد بأكمله.

إن ما حُذّر منه بالأمس لم يكن قدراً، بل احتمالاً. وتحوله إلى واقع لا يعني استحالة تغييره. لكنه يعني أن تجاهل الإشارات الصغيرة، والاستخفاف بكرة الثلج في بداياتها، قد يقود إلى انهيارات كبرى. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام السوريين اليوم: هل نتعلم من الدرس، أم نترك كرة ثلج أخرى تتشكل بصمت؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث