لم تخفف تبريرات وزارة الأوقاف من الغضب الذي أظهره موالون على صفحات وسائل التواصل قبل ثلاثة أيام، بسبب تسجيل قيل إنه لوزير الأوقاف السوري، يبدو فيه موكبه مع مرافقته أكبر مما يجب. حسب تبرير الوزارة، لم يكن الوزير المسؤول الوحيد ضمن الموكب، وكان الجمع (حسب التبرير) ذاهباً إلى "حفل افتتاح مبنى مديرية أوقاف المحافظة في مقرها الجديد، بعد أن كان يستخدم سابقاً مقراً لحزب البعث وأداةً من أدوات القمع خلال السنوات الماضية".
وكما نلاحظ، يلعب التبرير على وتر تحويل مقر حزب البعث في مدينة حمص إلى مقر لمديرية الأوقاف، إلا أن هذا لا يرضي بالضرورة موالين للسلطة لا يريدون رؤية مديرية الأوقاف في المكانة التي كان فيها الحزب بوصفه "قائد الدولة والمجتمع". زادت في منسوب النقد الصورُ والتسجيلات التي سبقت الموكب بقليل، وأبانت الحال المزري لمخيمات اللاجئين في إدلب، فضلاً عن الأقاويل الخاصة بالاستيلاء على القصور الفارهة لرجالات العهد البائد لصالح رجالات العهد الجديد، مع الانتباه أكثر إلى الممسكين بمفاصل السلطة على قاعدة المحسوبيات والولاء، هذه المرة من دون استخدام التبرير الذهبي "مَن يحرر يقرر" الذي كان مخصصاً لإسكات منتقدي التعيينات والقرارات وقتَ صدورها.
من بين المنتقدين برزت أصوات تشيد بالظاهرة نفسها، إذ تكشف عن وعي نقدي لا يمنح أصحابه السلطة شيكاً على بياض. ولا شك في أن هذا المنطق صحيح، لأن أدنى حس نقدي أفضل من انعدامه الذي يتجلّى بمفهوم الموالاة نفسه. وبحيث يبقى المفهوم الأخير موجّهاً إلى خارج كتلة الموالاة المتماسكة إزاء خصوم السلطة، في حين قد تتباين الآراء داخلها، كما يحدث في انتقاد تعيين هنا أو قرار هناك. وهذا ينسجم مع التقسيم الذي يقيمه هؤلاء بين معارضة وطنية مخلصة وأخرى ليست كذلك، حيث تنطلق الأولى حتماً وبالضرورة من محبة السلطة، والرغبة في مساعدتها على تطوير أدائها، على اعتبار أخطائها مجرد عثرات في الأداء الذي يحتاج إلى شيء من التقويم.
من خارج البيت، تأتي انتقادات أكثر جذرية، موجّهة بالدرجة الأولى إلى منتقدي السلطة من معسكرها نفسه. وتتدرج الانتقادات، بدءاً من الإشارة إلى صمت هؤلاء على العديد من التجاوزات، بما فيها إعادة تدوير بعض شخصيات العهد البائد، وصولاً إلى تدوير نظام المحسوبيات القديم بوجوه جديدة، بحيث يشبه الأمر ما حدث من إحلال شخصيات جديدة في القصور الفارهة ذاتها، بلا تغيير يُذكر. قيل: مَن ابتلع كذا وكذا يجب ألا يغصّ بموكب فاره لوزير الأوقاف الذي تتوزع أسرته العديدَ من المناصب، على سبيل المثال ليس إلا.
أما المقارنة الأقسى نظرياً فتأتي من القائلين: إن مَن ابتلع مجازر الساحل والسويداء لا يجب أن يغصّ بموكب الوزير، أو بتعيينات على مبدأ المحسوبيات والولاء. إلا أن هذه المقارنة، المنطقية والأخلاقية نظرياً، ليس ثمة ما يسندها في الواقع، أو أن الدفع بها للمحاججة يقتصر على المتضررين، تُضاف إليهم قلّة ممن يقيسون الأفعال حسب المبدأ لا بحسب موقعهم مما يحدث.
وما يبدو تعارضاً بين تأييد مجزرة، أو الصمت عنها، والاحتجاج على واقع خدمي، أو على ارتفاع أسعار سلعة ما، أو على فساد إداري من مستوى متدنٍّ قليلاً؛ هذا كله خبره السوريون في السنوات الماضية. فهناك ملايين من السوريين الذين صمتوا عن المقتلة التي يرتكبها الأسد، وهناك ألوف منهم كانوا مؤيدين نشيطين للمجازر، بينما كان عدد أكبر يتغاضى عن المجازر وينتقد فقدان بعض السلع وارتفاع ثمن بعضها الآخر، وتدني مستوى الأجور، ليتوقف النقد عند سقف واطئ صار يُشار إليه على سبيل السخرية بأن سقف اعتراض الموالين في تلك الفترة هي المطالبة بإقالة محافظ حمص.
من العبارات الشهيرة في الفترة ذاتها "كنا عايشين"، وهي عبارة تعني أن السوريين كانوا بوضع جيد قبل اندلاع الثورة، ما يحمّل الذين ثاروا مسؤولية التدهور الذي حصل على كافة المستويات الأمنية والمعيشية. وبالطبع يفتقر هذا القول كلياً إلى أي نقد لسلطة الأسد، وإلى أي تعاطف مع ضحايا المجازر والتهجير والاعتقال، ويجعل لقمة عيش البعض أغلى من حيوات البعض الآخر.
أن تكون موالاة اليوم نسخة من موالاة الأمس، على هذا الصعيد، فالأمر لا يتعلق بالاعتبارات الإنسانية والأخلاقية فحسب، بل من الخطأ محاكمتها بميزان الأخلاق الذي تسهل إطاحته بالاعتبارات السياسية وبالمصالح الحقيقية أو الموهومة. نحن في الحالتين، الأمس واليوم، إزاء نسخة محلية لأسوأ ما في اليمين المتطرف الشعبوي الذي ينتعش في العديد من دول الغرب. لكننا، ومن الضروري التأكيد على هذا ، إزاء نسخة شديدة الابتذال، أصحابها غير واعين لهذا الشبه.
ثمة انعدام للحساسية إزاء أحوال الآخر، بل ثمة تحميل له لمسؤولية ما يحدث للجماعة التي تنعدم لديها الحساسية. هذا ما نراه لدى تيارات اليمين المتطرف الشعبوي الذي يحمّل اللاجئين مسؤولية المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في دول الغرب، ويتعامل مع اللاجئين بوصفهم كتلة لا تستحق التدقيق في أحوالها، أو حتى النظر فيما يجعل أفرادها "شريرين" هكذا.
ينطلق اليمين المتطرف من أن وجود الآخر بحدّ ذاته هو مبعث الشرّ، بناءً على الاختلاف الثقافي الذي يجعله في موقع الآخر. ثم تتوالى الشرور التي يأتي بها وجوده، ومنها على نحو خاص الضغط الاقتصادي الذي يتسبب به المهاجرون، ومزاحمتهم السكان "الأصليين" على فرص العمل، وما يتولد عنها من مشاكل مزعومة، مثل تدهور معيشة الفقراء "الأصليين" وتحوّلهم إلى عاطلين عن العمل. ثم، من التركيز على قضية اللاجئين، ينطلق اليمين المتطرف إلى اتهام المنظومة السياسية التقليدية، بيمينها ويسارها، بأنها فشلت في إيجاد حلها، بل فاقمت المشكلة باتخاذ سياسات لينة تجاه تدفق اللاجئين والمهاجرين، لتصوَّر المشكلة على أنها في المنظومة التقليدية بأكملها، بما فيها المنظومة الحقوقية وأخلاقياتها.
ثمة فصل عنصري، غير صريح أو صريح، في أدبيات اليمين المتطرف الشعبوي الغربي. وهو الفصل العنصري الذي يلوح، ولا يتخفّى، وراء العديد من آليات التفكير في بلد مثل سوريا، ومنها الآلية التي تتغاضى عن المجزرة التي تخص الآخر، بينما تنتقد ما هو أقل على صعيد انتهاك الكرامة الإنسانية. فثمة في هذا الفرق ما لا يُقال لجهة استحقاق الآخر القتل، بخلاف الحياة الكريمة التي يستحقها الذين في موقع الـ"نحن".
هذا الفصل نراه صريحاً في الكلام الذي يسوقه عرب في الجدال مع الأكراد، حيث يُكرَّر القول إن الأكراد أتوا إلى سوريا لاجئين ومهاجرين، ولا يستحقون تالياً جميع الحقوق التي يتمتع بها السكان الأصليون. وإزاء جماعات سورية أخرى يصعب الطعن بأصالة وجودها، يحضر مفهوم الأكثرية المذهبية ليمنحها حقوقاً فقط لأنها أكثرية، وفي إطار يوحي بأن المطلوب هو نظام فصل مشابه لنظام الذمّة، من دون تسميته هكذا صراحة.
على الصعيد الاقتصادي، يأخذ الصراع منحى مختلفاً عن الغرب، فالحديث هنا عن "الثروات" الطبيعية، لا عن فرص العمل، حتى أن بعض أبناء المناطق الشرقية تذمّر من النظر إلى مناطقهم كمصدر للثروة. عموماً، بقي الاقتصاد السوري أقرب إلى الريعي، ما يجعل الصراع هو على الثروات غير الرأسمالية، وما يجعل للسيطرة على الدولة وزناً أثقل، لكونها سيطرة على الثروة أيضاً. وخلال أكثر من سنة حضر مختلف الأقوال المحقّة التي تتهم العهد السابق باستغلال السلطة، ثم استُخدمت على نحو غير مباشر لتبرير إحلال أزلام العهد الجديد في الموقع نفسه، بلا تغيير جوهري. أما استمرار تعثّر الاقتصاد والوضع المعيشي فقد رُدّت المسؤولية عنه إلى مجموعات بعينها، حُمِّلت مسؤولية عدم توحيد البلد واستقراره، بدلاً من التفكير في حلول اقتصادية تحقق كفايةً تحد من الصراع على ثروات طبيعية غير ضخمة ولا دائمة.
نشير ختاماً إلى الشكل المبتذل للظاهرة، المعروف عالمياً باسم whataboutism، أو بالعربية: ماذا عن؟ حيث يُلاقى كل نقد بالقول ماذا عن...؟ فأصحاب هذه الظاهرة مهووسون بالآخر-العدو، ويرفضون أي نقد موجَّه لهم بذريعة أنه لا يشمل الجميع، أو على الأقل بذريعة أنهم ليسوا وحدهم أصحاب خطأ أو خطايا. ولعلنا استبقنا هذا السؤال الذهبي بالإشارة إلى أصحاب مقولة "كنا عايشين"، وإلى أولئك الذين كانوا يوماً صادقين مخلصين في مطالبتهم بإقالة محافظ حمص.




