ترامب وحيتانُ المال

بلال خبيزالجمعة 2026/02/13
Image-1770926341
لا يواجه العالم أزمة طلب.. بل أزمة عبث (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

عندما اقترح دونالد ترامب فرض سقف على فوائد البطاقات الائتمانية بحدود 10%، تسارعت ردود حيتان المال على المقترح محذرة من كارثة وشيكة، وحذر بيل أكمان، أحد أبرز حيتان وول ستريت، من كارثة: إلغاء بطاقات الملايين، انكماش الائتمان، وعودة الناس إلى مرابي السوق السوداء. الخطاب بدا عقلانياً، تقنياً، ومحاطاً بهالة الخبير. لكنه في جوهره كان دفاعاً عن شيء واحد: قدسية السوق بوصفه منطقة محرّمة على السياسة.

غير أن هذا الدفاع يتهاوى أمام واقع بسيط تعرفه المصارف نفسها: الشركات المصدرة لبطاقات الائتمان تمنح اليوم قروضاً بفائدة 0% تمتد أحياناً إلى 18 شهراً، لا بدافع الرحمة، بل كطُعم استهلاكي. وهي تحقق أرباحها أصلاً من رسوم المعاملات والتأخير وبيع البيانات وإعادة تدوير الدين. فإذا كانت 0% ممكنة كأداة جذب، فإن 10% لسنة واحدة ليست تهديداً وجودياً، بل تهديداً رمزياً، سببته سابقة التدخل السياسي المباشر في التسعير.

الخوف الحقيقي لدى المصارف ليس الخسارة، بل فتح الباب. لأن كسر السقف هنا يعني أن سقوفاً أخرى قد تُكسر لاحقاً: قروض السيارات، الرهن العقاري، التعليم. وهذا ما لا تحتمله وول ستريت: عودة السيادة إلى السياسة.

 

سلطة الضرورة

ما يفعله ترامب ليس اقتصاداً بالمعنى الأكاديمي، بل ممارسة صريحة لسلطة الضرورة.هو لا يخاطب السوق، بل يخاطب الاختناق: فائدة مرتفعة، دين دائم، رواتب لا تكفي، ائتمان بوصفه شرط بقاء.

في هذا السياق، يصبح التدخل في تسعير الفائدة فعلاً سيادياً لا تنظيمياً. ترامب يتصرف كمدير ورشة لا كحارس نظام. يقول للمصارف وللنظام النقدي ككل، بما فيه الفدرالي: أنا من يحدد ثمن الخدمة حين تصبح الحياة غير محتملةوهنا تكمن خطورته وجاذبيته في آن. فهو لا يدّعي الفضيلة، بل يعلن الانحياز. لا يتحدث عن توازنات السوق، بل عن جيب المواطن. وهذا بالضبط ما يجعل معارضته صعبة حتى على خصومه الأيديولوجيين؛ فكيف يعارض ديمقراطي سقفاً أدنى للفائدة من دون أن يبدو مدافعاً عن جشع البنوك؟

 

جمهور لا يفكِّر

لفهم ما سيحدث بعد ذلك، لا يكفي التبحر في علوم الاقتصاد، بل نحتاج إلى سيكولوجيا الجماهير. غوستاف لوبون كان واضحاً: الجماهير لا تتحرك بالمنطق، بل بالصور.

الصورة التي تحكم المخيلة الأميركية اليوم ليست جداول الفائدة، بل صورة الجار الذي اشترى بيتا بفائدة 2%، والجار الآخر الذي أعاد تمويل قرضه ونجا، ما جعل عقاراتهما تتحول من مجرد أسلوب حياة إلى خنادق تحصين وجودية. 

لذا فإن خفض الفائدة -سواء عبر البطاقات أو لاحقاً عبر الفيدرالي- لن يكون مجرد إجراء مالي، بل إشارة انطلاق السباق. حينها سيهرع الناس، على الأرجح، ليس لشراء منازل، بل لشراء أمل إعادة التمويل. ويقبلون بتعب اليوم خوفاً من رعب الغد الماثل لأعينهم في يومهم السابق.  لهذا، فإن أي تخفيف في كلفة الدين سيؤدي على الأرجح إلى اندفاع عنيف نحو العقار، وتشدد المالكين الحاليين في البيع، وشح في العرض، ما يبني بسرعة نوعاً من الفقاعة الضرورية، والتي تختلف اختلافاً جلياً عن فقاعة 2008 التي يمكن وصفها بأنها كانت في أصلها فقاعة ترفيه. 

 

من الاستهلاك إلى التحصّن

المفارقة أن هذا الاندفاع لن يشمل كل القطاعات. نحن أمام تحول نوعي في الاستهلاك: تراجع في الكماليات، انكماش في البذخ الرمزي (مطاعم، موضة، سيارات رياضية)، صعود في السلع "المتينة": بيت، سيارة تعيش 30 سنة، أدوات بقاء. فالسيارة التي تتسارع إلى 60 ميلاً في ثلاث ثوانٍ تنتمي إلى عالم انتهى. السيارة التي لا تخذلك، ولا تُدخلك في دوامة صيانة، هي سيارة عالم الضرورة. وهذا ليس تقشفاً أخلاقياً، بل تقشف غريزي. الجمهور لم يعد يبحث عن المتعة، بل عن السيادة على الزمن.

 

انتحار اليسار الرمزي

في هذا المشهد، ينهار خطاب اليسار الأرستقراطي الذي راكم تضامناته في زمن الفائض:
الدببة القطبية، الخضروات العضوية، فنزويلا، الاحتباس الحراري… هذه كلها قضايا حقيقية، لكنها تصبح ترفاً حين يختنق الداخل. ففي الأزمات، كما يقول لوبون، تختفي العواطف المتوسطة. إما تضامن كامل، أو أنانية كاملة. وحين يصبح غالون البنزين معيار القلق اليومي، فإن سنتاً واحداً أقل قد يهزم كل الخطابات الأخلاقية. والنتيجة، إذا كان احتلال فنزويلا سيؤمّن وقوداً أرخص، فالجمهور سيدعمه بلا نقاش. لا لأن الأميركي شرير، بل لأن العالم الرمزي انتهى، وحلّت محله براغماتية البقاء.

 

السياسة ونهاية الرمز

ما نراه ليس عودة للدولة الاجتماعية، ولا انتصاراً للشعبوية فقط، بل نهاية وهم السوق المقدس.السوق لم يعد إلهاً صامتاً، بل أداة قابلة للكسر حين تصبح عبئاً وجودياً.

ترامب لا يعد بالعدالة، بل بالقدرة على الاحتمال. وأكمان لا يدافع عن المستهلك، بل عن السقف الذي يحمي الفائدة من السياسة. لهذا نحن نجد أنفسنا أمام لحظة فاصلة: إما أن تستمر الحياة كدَين مؤجل، أو تُكسر القواعد التي جعلت الدَين نمط عيش. وهذا لا يعني أننا بتنا نعيش في عالم أكثر أخلاقية، بل في عالم أكثر صراحة وأقل قدرة على المجاملة. وفي هذا العالم، من يملك القدرة على تشغيل حياة الناس اليومية، أو تعطيلها، هو من يملك السلطة، ولو لم يكن يملك خطاباً منمقاً، ولا يضع أقنعة. 

 

انكماش الاستهلاك على ذاته

الأثر الأخطر لهذا التحول لا يقع داخل الولايات المتحدة وحدها، بل خارجها. فحين يعيد المستهلك الأميركي توجيه إنفاقه نحو الداخل، نحو الأرض، والعقار، والأدوات المعمّرة، فإنه لا يغيّر ذائقته فقط، بل يعيد رسم خريطة الطلب العالمي.

الصين، التي بنت قوتها على كونها مصنع العالم للسلع القابلة للدوران السريع، ستكون من أوائل المتضررين. فالاقتصاد الصيني يعتمد، في جزء جوهري منه، على استهلاك أميركي يتبدّل ويُستبدل ويُجدد. وحين يتوقف هذا الاستبدال، وحين تصبح السلعة "الجيدة بما يكفي" أفضل من السلعة الأحدث، فإن نموذج الإنتاج الكثيف يفقد مبرره. ليست المشكلة في تراجع الشراء، بل في تراجع الرغبة بالتغيير.

الأثر نفسه، وإن بصيغة مختلفة، سيصيب أوروبا، وخصوصاً قطاع السلع الفاخرة. فهذه السلع لا تُشترى لأنها ضرورية، بل لأنها تمنح لحظة عبث أنيق، لحظة لعب بالهوية، أو تحديثاً شكلياً للذات. لكن في مناخ الجدية الوجودية الآخذ بالتشكّل، يصبح هذا العبث عبئاً نفسياً لا مكافأة.

لن يشعر من يضع ساعة "أبل ووتش" اليوم برغبة في تغيير حزامها كل شهر. الساعة تؤدي وظيفتها، وتراقب الجسد، وتخدم الاستمرارية. تغيير الحزام سيبدو فجأة فعلاً فارغاً، اقتطاعاً غير مبرر من وقت بات يُدار بعصبية وعبوس. الكفاءة لم تعد بحاجة إلى زينة لتثبت ذاتها.

في المقابل، قد تبقى السلعة الأوروبية الباهظة ممكنة فقط إذا أعادت تعريف نفسها كسلعة نهائية لا كموضة. سكاكين مطبخ ألمانية تُشترى لأنها تدوم عقوداً، لا لأنها أنيقة. سيارة تُشترى لأنها لا تخذل صاحبها عشرين عاماً، لا لأنها تُحدّث صورتها كل موسم. هنا فقط يمكن للفخامة أن تنجو: حين تنفصل عن التغيير وتلتحق بالدوام.

بهذا المعنى، لا يواجه العالم أزمة طلب، بل أزمة عبث. الاستهلاك الأميركي لا ينهار، بل يتصلّب. يتحول من لعب رمزي إلى تحصّن مادي. وما لا يخدم هذا التحصّن، سواء كان صينياً سريع الدوران أو أوروبياً متأنقاً، سيُنظر إليه بوصفه فائضاً غير مرغوب فيه، مهما بلغت جودته أو سمعته.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث