يبدو أن المواجهة العسكرية الدبلوماسية بين الولايات المتحدة/ إسرائيل وإيران تقترب من ذروتها.
في وقت متأخر من ليل الأربعاء، حطت طائرة رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو في قاعدة إندروز العسكرية الأميركية في ميريلاند. واستقبله جنرالات أميركيون، على أن يلتقي لاحقاً مع ترامب.
زيارة نتنياهو كان مُخططاً لها ومُعلنة. ورأت وسائل الإعلام أن نتنياهو طار إلى واشنطن في محاولة لإقناع دونالد ترامب بعدم التفاوض مع إيران. ويقال إن نتنياهو قلق من سير المفاوضات على ما يُرام، ومن أن الإيرانيين يخدعون ترامب. ونظرة الرضا التي ارتسمت على وجه علي لاريجاني، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، الذي أجرى للتو محادثات مع الأميركيين في عُمان ثم سافر إلى قطر، أشارت إلى أن الإيرانيين كانوا سعداء بالفعل. وكانوا يكررون بثقة أنهم مستعدون لمناقشة خفض البرنامج النووي مع الأميركيين (خفض مستوى التخصيب عدة مرات)، لكنهم لن يفاوضوا على خفض برنامج الصواريخ أو على وكلائهم.
القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي قال: "نحن نجري مفاوضات جادة، ولكن في كل مرة نتقدم فيها بالمفاوضات، تتدخل إسرائيل بأعمالها التخريبية".
لكن الجنرال يراوغ. فهو ينتمي إلى تلك الفئة المحافظة المتشددة. وهم وحدهم القادرون على تنظيم مثل تلك العروض في ساحات طهران، حيث عُرضت أمس، في ذكرى قيام الجمهورية الإسلامية، توابيت فارغة ملفوفة بالأعلام الأميركية، تحمل صورًا وأسماء جنرالات في الجيش الأميركي، مثل "تابوت" براد كوبر، قائد قيادة الوسط الأميركية.
المفارقة، أن صقور الحرس الثوري وخامنئي يستفزون ترامب بكل الطرق الممكنة لخوض الحرب. فكل هذه العروض المسرحية والإنذارات من الإيرانيين تصب في مصلحة نتنياهو. فهو سيضع كل هذه الصور على مكتب ترامب ويقول: "إنهم يبصقون في وجهك يا سيادة الرئيس". وسيحاول إقناع ترامب بشن عملية عسكرية ساحقة للإطاحة بالنظام الإيراني، أو الحصول على الموافقة على عمليات إسرائيلية مستقلة.
لكن ثمة صيغة أخرى.
صحيفة معاريف الإسرائيلية تكتب: "قد يُذهل لقاء ترامب ونتنياهو العالم، ويتجاوز كل التوقعات. إذا أحسن كلا الجانبين التصرف، فسيحققان نصراً مشتركاً ساحقاً"ً. بل وتكهنت وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن نتنياهو قد غادر إلى واشنطن لمتابعة الموجة الأولى من الهجمات على إيران برفقة ترامب.
هناك أسباب تدعم مثل هذه الافتراضات:
طار نتنياهو إلى ميريلاند، التي تبعد 24 كيلومتراً عن واشنطن، وحط في قاعدة أندروز العسكرية، التابعة للقوات الجوية والبحرية الأميركية.
في نهاية هذا الأسبوع يصادف مرور 40 يوماً على بدء الاحتجاجات الإيرانية التي أسفرت عن مقتل الآلاف.
يواجه كل من ترامب ونتنياهو مواقف صعبة: أحدهما يواجه ملف إبستين وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والآخر يواجه ما قد تكون آخر انتخابات له في الكنيست. ولم يجد البشر بعد ما هو أفضل من النصر في حرب صغيرة لكنها مبهرة لتشتيت الانتباه. والجنرالات الأميركيون، وهم ينظرون إلى توابيتهم الفارغة في طهران، لديهم دافع قوي أيضاً.
حين تم اغتيال حسن نصرالله، وبينما كانت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي تحلق باتجاه بيروت، كان نتنياهو موجودًا أيضًا في الولايات المتحدة. وعشية هجمات حزيران/يونيو، نشرت حكومته معلومات مضللة حول خلاف مع ترامب، وأخبارًا عن زفاف نجل نتنياهو، أفنير، الذي زُعم أنه ينوي حضوره. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال لاحقًا، أن الزفاف كان غطاءً لغارات 13 حزيران/ يونيو على إيران، والتي أُطلق عليها اسم "الزفاف الأحمر".
لذا، قد يتبين أن افتراض "معاريف" صحيح، وسيرى العالم بأسره ترامب ونتنياهو معًا في غرفة العمليات، أو جنرالات الجيش الإسرائيلي مع جنرالات الجيش الأميركي، وهم ينسقون معًا ضربة على إيران.
وماذا عن الوضع على الأرض؟ هل هناك أي مؤشرات على الاستعداد لبدء عمل عسكري؟
في التاسع من شباط/ فبراير، توجهت قوة دلتا بأكملها جواً إلى عشق آباد، تركمانستان. يقع مطار قاعدتهم على بُعد 30 كيلومتراً من مشهد (مسقط رأس خامنئي وأحد مقراته)، ونحو 300 كيلومتر من طهران. بالقرب من مشهد، تُعد مدينة هرات، المتاخمة لأفغانستان، معرضة للخطر الشديد على أمن حركة ناقلات الوقود والشاحنات التي يمكنها نقل أي شيء، مثل الطائرات المسيّرة التي يمكن إطلاقها ببساطة من أفغانستان، على سبيل المثال.
لكن من غير المرجح أن يكون الإيرانيون غير مستعدين لمثل هذا السيناريو. فقد نشروا مقاطع فيديو تُشير إلى شنّ ضربات صاروخية، إما على القاعدة العسكرية الأميركية في موفق سلطان بالأردن أو على قواعد في قطر.
ووفقًا لخبراء عسكريين، تستغرق الصواريخ الباليستية الإيرانية من 12 إلى 13 دقيقة للوصول إلى وجهتها، بينما تستغرق الصواريخ المجنحة ساعتين، والطائرات المسيّرة من سبع إلى ثماني ساعات. وتُبلغ الاستخبارات، وفي كثير من الأحيان الإيرانيون أنفسهم، عن عمليات الإطلاق مُسبقًا، مما يُتيح للأفراد وقتًا كافيًا للاحتماء.
ولعل هذا هو سرّ الابتسامة الغامضة التي ارتسمت على وجه رئيس مجلس الأمن الإيراني في كل من عُمان وقطر خلال الأيام الماضية. وربما، تحت ستار "المفاوضات"، كان جميع أطراف الحرب يناقشون تفاصيلها، وأن هذه ستكون "صفقة" سريعة ومذهلة؟ ويشعر رئيس مجلس الأمن الإيراني الجديد ببساطة بتغير سياسي وشيك في بلاده. وإذا لم يصبح شهيداً في هذه الحرب، فحينها ستكون المعجزات ممكنة. أو يمكن التفاوض بشأنها.




