تصف جريدة الأهرام المصرية، القمة المصرية التركية التي عقدت في القاهرة قبل أيام بأنها "قمة إعادة ترتيب الإقليم". تلك هي الزيارة الثانية للرئيس التركي إلى مصر في عامين، وفيها عقد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا، بعد أن عقد اجتماعه الأول في أنقرة في نهاية العام 2024.
صحيح أن تحسن العلاقات المصرية- التركية حدث بشكل تدريجي بطول العقد الماضي، لكن تطورات العامين الماضيين تشي بتغير نوعي وعميق في تلك العلاقات، وبتبعات قد تكون ملموسة على المنطقة بشكل أوسع. ثمة مبالغة بالطبع في عنوان الجريدة المملوكة للدولة، لكنه يشير بحصافة إلى حالة السيولة التي تسيطر على الإقليم، والتبدلات المتواترة والعنيفة لترتيباته، بما فيها تحول الخصومات إلى تحالفات والعكس، وهو ما ينطبق على العلاقات المصرية- التركية. ضمناً، يقر العنوان بأن تركيا أضحت طرفاً قيادياً في ترسيم المنطقة. ومن قراءة جدول أعمال اللقاء، يتضح أن القيادة المصرية أيضاً تعترف بدور تركي يمتد من سوريا إلى الصومال مروراً بالسودان وغزة وليبيا. والجدير بالملاحظة أن الثلاثة الأخيرة تقع على الحدود المصرية مباشرة، بينما يعد الملف الصومالي متصلاً بأمن حوض البحر الأحمر الذي تطل عليه مصر أيضاً لا تركيا. بمعنى آخر، يمكننا القول إن القاهرة تقر باليد الطويلة لأنقرة. بينما تراجعت تركيا عن موقفها العدائي ضد النظام في مصر بعد خلع حكومة الإخوان المسلمين في العام 2013.
كما أسقطت موجة الثورات العربية عدداً من الأنظمة الشائخة ومعها الترتيبات الإقليمية، سمحت بصعود تأثير العواصم الخليجية لملء الفراغ، بالإضافة إلى اتساع نفوذ كلٍ من إيران وتركيا في المنطقة العربية. وسّعت طهران من طوقها الشيعي وضمت إليه اليمن، بينما راهنت تركيا أولاً على مكاسب جماعة الإخوان المسلمين الانتخابية في العواصم العربية، ولاحقاً وجدت مساحة للتأثير على وقع الخلافات العربية-العربية على مستوى إقليمي، وفي خضم الحروب الأهلية في كلٍ من سوريا وليبيا، وبشكل أقل السودان. ولعل النظر إلى ما يطلق عليه حروب أهلية في مرحلة ما بعد الربيع العربي على أنه حروب دولية متعددة الأطراف، تسمح لنا بقراءة أوضح لتلك الحروب، ولفهم الدور التركي فيها.
الحدث الزلزالي التالي الذي زعزع الترتيبات الإقليمية الهشة (أو الأوقع: اللاترتيبات الإقليمية) كان طوفان الأقصى وما تلاه. الخسائر الفادحة التي مني بها الطوق الشيعي، جعلت من إسرائيل القوة المطلقة في المنطقة. خرجت أنقرة ببعض المكاسب، سقوط نظام بشار الأسد كنتيجة عرضية للضربات الإسرائيلية القاسية ضد حزب الله، ضمن حرية شبه مطلقة لتركيا في سوريا. أما الدور الذي منحه ترامب لأنقرة في غزة، على الضد من الرغبات الإسرائيلية، فكأنه صك إمبراطوري بوكالة تركية في ترتيبات المنطقة. ولعل الولع الأميركي بأدروغان ليس مرده حب الرئيس الأميركي للزعماء الأقوياء، بقدر ما هو موازنة للقوة الإسرائيلية المطلقة في الإقليم. ففي النهاية، إسرائيل مفرطة القوة ليست في مصلحة واشنطن على المدى الطويل. هكذا تظهر أنقرة وكأنها تحل محل طهران في ميزان القوة أمام تل أبيب.
والحال، أن القاهرة التي وجدت نفسها وحيدة في مواجهة التهديد الإسرائيلي بالتهجير القسري لسكان غزة عبر الحدود، ترى في الموقف التركي دعماً ضرورياً لها في الملف الفلسطيني. في المقابل تستطيع القاهرة أن تدعم أنقرة في ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، بعد أن كانت ضمن تحالف موجه ضد تركيا يضم قبرص واليونان وإسرائيل. علاوة على ذلك كله، فإن التحول السعودي الخشن ضد الإمارات في اليمن، شجع القاهرة على تدخل عسكري أكثر مرئية في السودان، وهذه المرة بمساعدة تركية. كما أن الموقف المشترك بين مصر وتركيا بخصوص الصومال، يبدو أيضاً موجهاً ضد النفوذين الإماراتي والإسرائيلي في صومالي لاند. قد تكون التحركات الثنائية المصرية التركية تتم بالتنسيق مع الرياض، أو قد تكون نواة لتحالف "سني" فضفاض يضم الرياض، بل وربما قد يصل بعيداً حتى إسلام آباد.
المعضلة الباقية، والقادرة على زعزعة الترتيبات قيد التشكل في المنطقة، كما خربت ما قبلها، هو أن العوامل التي قادت إلى موجة الانتفاضات العربية ومن بعدها طوفان الأقصى، ما زالت قائمة، ولا يبدو أحداً معنياً بالتصدي لها.




