الشام بخير.. ماذا عن سوريا؟

عمر قدورالثلاثاء 2026/02/10
Image-1770662595
من الظلم الشديد اختزال سوريا بدمشق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أتت صادمةً جداً صورُ وتسجيلات مخيمات إدلب الغارقة بالسيول، وزادت فداحة البؤس بمقارنتها مع العديد من الاحتفالات والمهرجانات التي أُقيمت منذ إسقاط بشار الأسد حتى الآن، وآخرها معرض دمشق الدولي للكتاب المُقام حالياً. وبالطبع، لم تكن المقارنة تهدف إلى عدم إقامة المعرض، بل أتى الاعتراض على البذخ الذي يرافقه، وما أُنفق على دعوات لأشخاص كان يمكن الاستغناء عنها. وكان يمكن للمعرض أن يحقق المبتغى من دونها، بوصف المعرض في المقام الأول تظاهرة تهدف إلى وصل دور النشر بالقراء، وأيضاً وصل دور النشر بالمكتبات السورية، وهو الدور الذي اضطلع به منذ دوراته الأولى.

 

منذ افتتاح الدورة الحالية لمعرض الكتاب لم يتوقف الإعلام الرسمي عن نقل صور المسؤولين الذين يزورونه، والاستقبالات التي يلقاها البعض منهم من زملائهم في الحكومة. ذلك بالمقارنة مع شحّ تام بصور المسؤولين الذين يُفترض بهم الذهاب إلى موقع الكارثة في المخيمات، للوقوف في الأوقات العصيبة مع المنكوبين، وأيضاً لاستكشاف الواقع والبحث في آفاق معالجته. مع التنويه بأن مشكلة المخيمات خلال فصل الشتاء مزمنة، ومتكررة بحيث كان من الواجب استباقها بما يخفف وطأتها، إذا لم تكن المعالجة الجذرية متاحة.

ومثال إدلب نموذجي، إذ لطالما تغنّى مسؤولون بفضل إدلب على سوريا بأكملها، لأن هيئة تحرير الشام انطلقت منها لإسقاط الأسد، ما يفترض أنها تحظى بانتباه خاص، أو على الأقل لا تُترك مهملة. وإذا تجاوزنا مثال إدلب، نستطيع بسهولة استعادة أمثلة عديدة، ومعظمها يحدث باستمرار خارج العاصمة دمشق، بينما الوضع في الأخيرة يوحي بأنها بخير، ويوحي لزائريها أيضاً بأن سوريا بأكملها بخير، وعلى نحو يطعن بما كان يعرفه الجميع ويكررون قوله عن التدهور الشامل الذي وصلت إليه الأوضاع مع نهاية حكم الأسد.

 

من المؤكد أن دمشق شهدت منذ سقوط الأسد إقبالاً واسعاً جداً من الزوار غير السوريين، ومن سوريين مقيمين في الخارج يضعونها ضمن برامج زياراتهم، حتى إذا كانوا يقصدون أساساً أماكن أخرى. أي إن العاصمة استفادت من إنفاق أعداد كبيرة من الزائرين، وهذا ما جعل الوضع المعيشي فيها يشهد تحسناً نسبياً بالمقارنة مع باقي أنحاء سوريا. والأهم هي السلطة نفسها بوصفها مصدراً أكثر استدامة للإنفاق، والحديث هو عن عشرات الألوف من المنتسبين لجميع الوزارات، خصوصاً وزارتي الدفاع والداخلية، حيث الحد الأدنى للرواتب يفوق نظيره في المؤسسات الحكومية الأخرى.

على الصعيد المعنوي، كانت واضحةً (منذ اللحظات الأولى لإسقاط الأسد) محاولةُ الوافدين إعلانَ انتمائهم إلى الشام؛ مباشرةً أو عبر الانتساب إلى إرثها الأموي. وهذا أيضاً ليس بجديد، فالإعلاء من شأن دمشق بوصفها المركز كان حاضراً لدى رجالات العهد السابق، خصوصاً الجيل الثاني منهم، ويُذكر أن الفصائل والكاميرات التي دخلت القرداحة، مسقط رأس الأسد الأب، نقلت أحوالاً معيشية متردّية، بخلاف ما كان متخيَّلاً عن بلدة "رئاسية". وخلال العهد السابق كله حدث تمركز شديد للسلطة، وللقطاعات الاقتصادية الأكثر ربحية، في دمشق. وحتى قطاع الثقافة صار مركزياً جداً، بحيث أضحت الشام ممراً إلزامياً لمعظم الكتّاب السوريين.

 

هي ليست سمة سوريةً فقط، ففي الكثير من البلدان يحدث هذا التمركز الشديد في العاصمة، متضمناً الرأسمال المالي والرمزي. إلا أن الحديث عن سوريا اليوم له خصوصية آتية من حساسية الوضع الانتقالي الذي تعيشه، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه تأسيساً لعهد جديد. يجدر التنويه أيضاً بأن أخذ الشام نموذجاً معبِّراً عن سوريا تكتنفه أخطاء غير واردة في بلدان مستقرة، فسوريا ليست مستقرة حتى الآن، لا جنوباً ولا ساحلاً ولا في شمالها الشرقي.

وإذا أخذنا الشام نفسها نموذجاً عشية اندلاع الثورة، فالحق أنه لم يكن فيها آنذاك ما يشي باندلاع الثورة، والمؤشرات المعيشية لم تكن متردية على النحو الذي سيحدث لاحقاً في عموم سوريا. وفي الشام وضواحيها، آنذاك وفي كل وقت، توجب الدقةُ التمييز بين مستويات وأنماط من العيش، فالذين يستطيعون قضاء أمسياتهم بين مقهى الروضة ومطاعم باب توما وباب شرقي هم أبناء شريحة قادرة على الدفع، وقد لا يكون أفرادها على دراية بأحوال العشوائيات الموجودة على بُعد كيلومترات قليلة. وهذا لا يعني الانتقاص من وعيهم السياسي جميعاً، فعشية الثورة كان لدى بعض رواد هذه المقاهي والمطاعم "ترف" انتقاد السلطة ومعارضتها، والأخيرة لم تكن تكترث بحفنة من "الثرثارين"، بخلاف ردّ فعلها عليهم عندما شاركوا في المظاهرات.

 

من الظلم الشديد اختزال سوريا بدمشق، ثم اختزال الأخيرة بأحياء تسكنها شرائح ميسورة نسبياً. هذا الاختزال يقوم به زوّار لا يعرفون البلد جيداً، والبعض منهم مدفوع بحسن النوايا والأمنيات، ويقوم بها أيضاً مقيمون في الأحياء المذكورة، لا دراية لهم بما هو خارجها، والبعض منهم مدفوع أيضاً بحسن النوايا والأمنيات. في الحالتين يخدم الاختزالُ تلك الرغبة في أن يكون الوضع في عموم سوريا كما هو في أماكن محدودة من العاصمة، إلا أنه (بوعي أو من دونه) يعيد تهميش القسم الأكبر من البلد، وهذه المرة بحرمانه من الاهتمام المعنوي على الأقل، أي بعدم الانتباه أو الاعتراف بتهميشه، بعد تهميشه فعلياً.

إعادة تكريس العاصمة على أنها مكان يحظى بامتيازات لن تكون بالضرورة مكسباً لها، إذ من المعتاد أن تصبح بسبب الامتيازات ذاتها مقصداً للكثير من السوريين في المناطق المهمشة ضمن نظام شديد المركزية، وغير متوازن على مختلف الأصعدة الاقتصادية والخدمية. شيء من هذا كان يحدث طوال عقود، وهو ما يفسّر وجود العشوائيات ذات الفقر المدقع على تخوم دمشق، واستمرار التفاوت سيدفع المزيد من المهاجرين إلى المجيء طمعاً بالحصول على حصة أو فتات من الامتيازات.

 

وللوهلة الأولى يبدو الكلام عن امتيازات مدعاةً ليغبط بقية السوريين أهلَ الشام الذين يحظون بما يحظون به، اقتصادياً ومعنوياً. إلا أن أهل الشام ليسوا جميعاً على هذا الحال، ومنهم نسبة كبيرة غير مستفيدة من مكاسب تمركز السلطة، بل يتذمّر أبناء هذه النسبة من أعباء "العاصمة" التي تضغط على مدينتهم. وفي العديد من المناسبات تلقّى "الشوام" توبيخاً قاسياً من هنا أو هناك، عندما سوّلت لشامي نفسه الشكوى من الضغط الذي يأتي مع كثرة الوافدين الجدد.

تستحق الشام أن تُعفى من عبء الامتيازات، ومن تسييسها بلا رأفة. تستحق من ضيوفها حماسةً بعيون مفتوحة، وبقلوب أرحم وأرحب، لأنه من الغبن الظنّ أنها بخير بينما سوريا ليست كذلك بعد.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث