سرى كالنكتة بين العراقيين وصف رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي عبارة "الأخ الشرع" في إشارة للرئيس السوري، بعدما ظل مصراً على تسميته طوال الفترة السابقة منذ سقوط الأسد بصفة "الجولاني"، متزعماً التيار الإيراني النافذ داخل النظام السياسي العراقي.
سر سخرية العراقيين مما قاله المالكي في أحدث مقابلة تلفزيونية له، يكمن في القوة القاهرة التي أجبرته على التخلي عن منطق استعداء سوريا، بصحبة جوقة واسعة من الميليشيات والسياسيين، المعروفين جميعاً بأنهم جزء من دائرة النفوذ الايراني المهيمن في العراق. وبدا أن مواقع التواصل الاجتماعي قد انشغلت بتلك العبارة عن كل ما عداها مما قاله المالكي لتقديم نفسه كرجل دولة، لا كزعيم طائفي واجه العراق خلال ولايتين (2006-2014) أكثر سنواته تمزقاً وطائفية وفساداً، انتهت بسيطرة تنظيم داعش على ثلث مساحة البلاد.
دأب المالكي ورهطه على وصف قيادة الدولة السورية بالإرهاب، والإساءة للرئيس الشرع، على النقيض من رؤية حكومة السوداني والتعاون الأمني والسياسي بين بغداد ودمشق. كان من الواضح أن موقفه بدا كمزايدة لإرضاء إيران ومحاولة التأثير على العلاقات بين الشعبين السوري والعراقي، لكنه أيضاً كان يؤشر على أحد التحديات التي تواجهها سوريا من دولة جارة مهمة، يقيم فيها مئات الآلاف من السوريين، وجميعهم كانوا مهددين بسبب عمليات الشحن العدائي هذه، وقد كان أحد تجليات هذا الاستعداء قصة الشاب السوري محمد سليمان عنقا، الذي حكم عليه ظلماً بالإعدام، قبل ان تتدخل السلطات السورية لتستعيده وليعود إلى سوريا بسلام، بعدما تغير الحكم من الإعدام إلى البراءة.
كان عنقا يمكن أن يعدم ظلماً بسبب تحريض المالكي ومن هم على شاكلته، لولا جهود الحكومة السورية، وهو ما يقدم جانباً من خطورة ما يقوم به هؤلاء، حتى جاءت مدونة ترامب لتقلب الأمور وتجبر المالكي على تغيير موقفه، في محاولة تدعو فعلاً للسخرية لكسب رضا سيد البيت الأبيض، كي يقبل بتوليه رئاسة لوزراء من جديد.
بالطبع، لم تتضمن تدوينة ترامب شيئاً عن موقف المالكي العدواني من سوريا، لكنه انتقده كحاكم سيء السمعة، وعلق على ترشيحه لرئاسة الحكومة المقبلة بالقول إن الولايات المتحدة ستتوقف عن مساعدة العراق إن تم تنصيبه فعلاً، وهو ما فهمه العراقيون على أنه تهديد مباشر بتجميد أرصدة العراق في الفيدرالي الأميركي. وهو ما يعني إفلاس الحكومة العراقية، لأن جميع أموال بيع التفط العراقي تذهب تلقائياً ليجري حفظها في واشنطن، على أن تدفع الأخيرة دورياً مبالغ بالدولار الأميركي للعراق من هذه الأموال ليدير بها ميزانيته التشغليية بما فيها مرتبات الموظفين.
كان موقف ترامب قد أربك النظام السياسي العراقي، لا سيما الإطار التنسيقي الشيعي، وما زال. فالمالكي لم ينسحب من الترشح، وبدلاً من ذلك حاول تقديم نفسه كرجل رشيد وحاكم عادل وسياسي بارع، ليرضي ترامب عسى أن يغير موقفه، وكان مما قام به أنه حاول تغيير خطابه تجاه سوريا، وقام بوصف الرئيس الشرع لأول مرة بصفته الحقيقية الرسمية واللائقة.
بالطبع كان لافتاً أن يكون التقرب من سوريا ومن رئيسها أحد وسائل استرضاء الرئيس ترامب، فذلك يعني أن أصحاب النهج الطائفي في العراق وربما في المنطقة من حلفاء إيران ومن الحزانى على الأسد، فهموا أن دمشق وقيادتها هم اليوم رقم صعب في حسابات المنطقة، وأن استعداء سوريا لن يفضي إلى غير الخيبة والخسران والعزلة. كما أنهم فهموا أيضا أن التقرب من سوريا ودعمها والتوقف عن الكيد لها والتآمر ضدها، أصبح أحد أسباب التقييم الدولي والغربي بشكل خاص، وصارت صداقة سوريا من قبل دول الإقليم معياراً للتوازن واحترام ضرورات الأمن الإقليمي، مثلما هو عداؤها معيار للنزق والعدوانية. وقد كان المالكي يعرف ذلك، لكنه ظن وسواه، أن الرهان على إيران أو أن استدعاء الروح الطائفية المريضة من خلال استعداء سوريا سيوفر له ومناصريه سلطة ونفوذاً، وسط حالة الهياج الطائفي التي اعتاد نشرها كلما كان أمام استحقاق سياسي أو انتخابي، فلما اصطدم بالحاجز الأميركي، تراجع واعتدل وغير نبرته من حال إلى حال ليظفر بالمنصب، معتمداً على سمعة سوريا ومكانتها.
وبغض النظر عما سيؤول إليه أمر المالكي والحكم في العراق، فإن الأمر برمته أن كان قد تسبب بسخرية وتشفٍ بين العراقيين، فإنه مؤشر على أن ألد أعداء سوريا عجزوا وهم يتراجعون ويخسرون فيما تتقدم سوريا وتنتصر.




