ماذا نعرف عن مايكل أبو العاص؟

عمر قدورالسبت 2026/02/07
Image-1770454511
الانسحاب في مواجهة الضحالة والشعبوية ليس حلاً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن ينقص سوى رؤية مايكل أبو العاص ضمن اقتراحات الصداقة التي تضعها منصة فيسبوك للمستخدمين. يتبين من صفحة مايكل أن لديه 369 متابع، بينما يتابع هو 6 حسابات، ويعرّف بنفسه هكذا: الزميل مايكل أبو العاص- زميل معهد الحدود العالي 3 أمتار تقريباً. والتعريف الأخير يفيد بأن "الزميل" أبو العاص من كادر "شبكة الحدود"، وهي شبكة ساخرة تعتمد أسماء مزعومة لمحرريها أو مراسليها، من قبيل المذكور وفتحي العترماني، وسواهما من أسماء يُراد إظهار كونها مُبتَدعة على سبيل الطرافة.

لكن الأمر ليس دائماً ولا غالباً على هذا المَحْمل البريء والواضح، فالمستخدم "السوري مثلاً" لن يخطر له أن "فتاة الياسمين" و"أبو حمزة الإدلبي" و"أحمد أحمد"... هي حسابات وهمية، وليست أسماء مستعارة لأشخاص يمنعهم سبب ما من الإفصاح عن هوياتهم الحقيقية. الأخطر من ذلك أن المستخدم المذكور لن يخطر له الدور الذي تؤديه هذه الأسماء الوهمية في لعبة السوشيال ميديا، ونركّز هنا على منصة فيسبوك كنموذج هو الأكثر اعتماداً لدى المستخدمين السوريين، رغم تراجع أدائها وأهميتها عالمياً.

 

بعد سقوط الأسد مباشرة ظهرت ما تبدو أهمية مستجدة لأشخاص أُطلقت عليهم تسمية "المؤثّرين"، والنسبة العظمى منهم مؤيّدة للسلطة الجديدة. إلا أن هذا ليس أهم أو أخطر ما في الأمر، فالخطورة الكبرى هي في شيوع تصوّر مفاده أن هؤلاء المؤثّرين ينطقون بما تتحرّج السلطة من النطق به، أي أنهم يمثّلونها بصدق يفوق منصاتها الرسمية. لكن الخطورة لا تتوقف عند هذا الجانب، فالعدد الكبير من متابعي هؤلاء، وعدد التفاعلات وإن لم يكن بالضخامة نفسها، يوحيان بأن لهؤلاء أنصاراً ومشجّعين، وبعبارة أخرى: يوحي الأمر بأنهم يمثّلون الأكثرية.

نقترح تمريناً بسيطاً لا يستغرق وقتاً طويلاً: تفحُّصُ منشورات هؤلاء المؤثّرين والتفاعلات التي تحظى بها، تحديداً ما يظهر فيها من أسماء مشابهة لـ"البتار البتّار" و"أبو حمزة الشامي"... والكثير من الأسماء الوهمية التي تشكّل نسبة ملحوظة من التفاعلات. جدير بالتنويه أن معظم هذه الأسماء لا يظهر إلى جانبها زر إضافة الصداقة، والدخول إليها يفيد بمشتركات لا يصعب التقاطها بسرعة، فهناك عدد كبير منها مُقفل نهائياً، وهناك عدد موازٍ من حسابات خالية كلياً من المنشورات، وحسابات ليس لها صداقات إطلاقاً، أو لديها صديق واحد أو اثنين.

التمرين الذي نقترحه سهل جداً، ونتيجته تعطينا تصوّراً أقرب إلى الواقع عن عدد المتابعين الذي نراه في صفحة كلّ من المؤثّرين. فوجود نصف مليون متابع أو مليون أو أكثر لن يعني لنا ما كان يخطر للوهلة الأولى، إذا انتبهنا إلى أن نسبة كبرى من المتابعين قد تكون أيضاً من أمثال "أبو حمزة المغربي" و"أبو البراء الدوماني" و"العنود السمراء"... والإتيان بالمتابعين يتم بالآلية نفسها التي تأتي بمتفاعلين مع المنشورات، مع التنويه بأن وجودهم كمتابعين له صفة الديمومة عموماً، وهو الذي يوحي بالأهمية الافتراضية للمؤثّر.

لعل هذه التجربة البسيطة تكون مدخلاً لفهم آليات نمرّ بها بلا انتباه كافٍ، والسيء في الأمر أنها تشكّل انطباعاتنا من دون أن نتوقّف للتقصّي أو لإجراء محاكمة عقلية متأنية. ولسنا هنا في وارد تحقيق استقصائي عن الظاهرة، بل نتوقف عند آثارها التي لا نبالغ بوصفها بالخطيرة أحياناً، وبالمضلِّلة في معظم الأحيان.

 

في مثال فاقع جداً، كان لهؤلاء تأثير شديد السلبية على السلم الأهلي في العديد من المناسبات، فمن يوصفون بالمؤثّرين كانت لهم المساهمة الأبرز في التحريض الطائفي أو العرقي، وكانت انتهاكاتهم المعنوية تسبق الانتهاكات على الأرض، ما يوحي بوجود تنسيق تام بين المؤثرين من جهة والماكينة التي تجسّد تحريضهم على الأرض من جهة أخرى. لكن الأمر لا يتوقف عند الربط السابق، فالربط الأخطر هو اعتبار ذلك التحريض ممثّلاً للأكثرية، والمعني بالوصف هي الأكثرية المذهبية السنية، حيث صار يُنظر إلى هؤلاء بوصفهم ممثّلين لها.

سيكون من السهل على أيٍّ كان اعتماد الأرقام التي أشرنا إليها، على صعيد عدد المتابعين وعدد التفاعلات، للوصول إلى الخلاصة التي تنص على أنهم ممثّلي الأكثرية، أو للوصول إلى خلاصة تفوقها حرصاً مفادها شيوع الخطاب الطائفي بين مختلف الجماعات السورية. والملاحَظ في الحالتين استسهال البناء على معطيات افتراضية، من دون إخضاعها للتدقيق. والملاحظ أيضاً أن اعتماد الأرقام يتجاهل واقع استخدام السوريين لشبكة الانترنت ولوسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك عادات الاستخدام التي نزعم أنها متباينة بين الداخل والخارج.

ومن الاستنتاجات التي صارت رائجة، بناء على ما هو ظاهر في السوشيال ميديا، أن الطائفيين هم الكتلة الأكبر، أو أن مساندي الأسلمة يحظون بالشعبية الأكبر.. إلخ. وفي موازاة هذه الاستنتاجات: من المؤكد أن المؤثّرين يعملون كماكينة ذات رأي موحّد، في حين أن أصحاب التفكير النقدي لم يكونوا يوماً كتلة واحدة، ولن يكونوا، وليس من جهات تنفق على دعمهم مباشرةً أو من تحت الطاولة. أما في مقدار التمثيل: ففي الأمس القريب ليس إلا كان ما يزيد عن نصف السوريين تحت حكم بشار الأسد، وكان من التجنّي على أولئك الصامتين المغلوبين على أمرهم النظرُ إليه كموالين للأسد، مثلما سيكون من التجنّي عليهم النظرُ إلى صمتهم الحالي كتعبير عن موالاة جديدة، أو تأويله طائفياً. نضيف إلى ذلك أن الخروج عن عادات الصمت القديمة، إذا بقي متاحاً، يحتاج إلى مزيد من الوقت، ومن الإحساس بالثقة إزاء الجديد.

لكن الإشارة الأخيرة لا تلغي تأثير السوشيال ميديا، فإذا كانت أرقام المؤثّرين تدفع من يُعتبروا مثقفين أو نخباً إلى إطلاق أحكام بناءً عليها، فمن المرجّح أن تنطلي على شرائح أوسع من متابعي السوشيال ميديا، وهي الشرائح المستهدفة أصلاً. أي أن الآلية معكوسة تماماً، فهؤلاء لا يمثّلون شرائح توصف بالشعبوية، بل وجودهم كظواهر مصطنعة ومضخّمة هو ما يعوَّل عليه لاصطناع الشعبوية، وعلى مزاج محدد حسب كل مناسبة.

 

ورغم النجاحات المتحققة هنا أو هناك من الصعب الجزم بأن هذه الآلية حققت نجاحاً مستداماً يمكن الركون إليه، أو يمكن لأصحابها وداعميها خفيةً أن يركنوا إليه. فما يمكن ملاحظته بسهولة هو نشاط المؤثّرين إيّاهم على مدار الساعة، وبهدف موحّد ينص على تعزيز القناعة بأنهم يمثّلون وجهة نظر الأكثرية، ولو توفّرت القناعة بأنهم كذلك لما بُذلت الجهود على مدار الساعة لترويجها.

لن نخوض فيما يمكن معرفته عن جهود منسّقة يعمل بموجبها الذباب الالكتروني، وعن آليات تحكُّم وتمويل، فذلك كله متاحٌ استكشافه واستنتاجه لمن يريد التعرّف عليه. ما يهمنا هو تفنيد القناعات الراسخة التي تُبنى على فقاعات افتراضية، أي على ما ليس راسخاً في الأصل، مع الانتباه إلى بروز ما هو افتراضي كلما تراجعت الأواصر الواقعية، أو تردّى تعبير الأخيرة عن نفسها. أيضاً مع الانتباه إلى الدور الطارد الذي يلعبه الذباب الالكتروني، لجهة تعميم اليأس من أي نشاط افتراضي جاد، ما يدعو نسبة متزايدة إلى الانسحاب، وهذا ما تهدف إليه الظاهرة نفسها التي تسعى إلى الاستفراد بالسوشيال ميديا، وتساعدها الخوارزميات التي لا تفرّق بين ذباب الكتروني وحسابات حقيقية، بل يفضّل القائمون عليها لعبة الذباب الالكتروني لما تدرّه من أرباح وإعلانات.

وإذا كنا قد توقفنا عند تفصيل من تفاصيل المشهد السوري، فالظاهرة برمّتها موجودة عالمياً، وبنسب متفاوتة من التأثير. وثمة اتفاق على أن الانسحاب في مواجهة الضحالة والشعبوية ليس حلاً، أو على الأقل يجب ألا يكون إلا عندما يصبح استسلاماً افتراضياً محتّماً، أي عندما نبلغ الحد الذي يستطيع فيه "الزميل" مايكل أبو العاص إثبات أحقيته بالوجود، وأنه حقيقي جداً بالمقارنة مع ذباب الكتروني يطعن بوجوده كما فعلنا للتو. إلا أننا نتوقع أن يملك "مايكل أبو العاص" من حسّ المرح ما يثنيه عن ذلك، بخلاف "البتّار البتار" الذي ليس في حسابه أصدقاء أو منشورات، ولا نعلم شيئاً عن مزاجه!

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث