ركائز الهيمنة الأميركية 5: الجيش مقيم ثروات وصانع قيمة

بلال خبيزالجمعة 2026/02/06
Image-1770328513
صناعة الخوف كتجارة رابحة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في معظم النقاشات الشائعة يُنظر إلى الجيش الأميركي بوصفه بنية ضخمة ومكلفة، تشكل عبئاً على المالية العامة. غير أن هذا التصور يغفل الوظيفة الاقتصادية العميقة للمؤسسة العسكرية، والتي تتجاوز الدفاع والحروب، لتصل إلى آلية إنتاج ثروة مستدامة، خصوصاً عبر قطاع التأمين العالمي.

 

حماية طرق التجارة: الأساس غير المعلن لاقتصاد التأمين

إن وجود قوة بحرية وجوية أميركية قادرة على حماية السفن، وضمان مرورها في الممرات الحساسة، لا يحقق فقط الأمن البحري، بل يخلق بيئة مخاطرة منخفضة هي الشرط الأول لنمو شركات التأمين. حين تستطيع الولايات المتحدة أن تمنع القرصنة، وأن تردع أي دولة تريد تعطيل الملاحة، وتفرض مظلة أمنية على المضائق والممرات (مثل هرمز، باب المندب، ملقا، البحر الأحمر)، فإنها، عمليا، تُخفض كلفة الخطر على السفن والتجارة، وتمنح الثقة في استمرارية تدفق السلع، والأهم أنها تنجح في تحويل المخاطر العالمية إلى مخاطر قابلة للتسعير، أي أنها تؤسس لكفاءة سوق التأمين نفسه

 

شركات التأمين الأميركية: الأغنى لأنها تستند إلى أقوى جيش

ليس سرا أن شركات التأمين الأميركية تهيمن على معظم عقود تأمين الشحن العالمية. وهذه الهيمنة تتولد من عامل بسيط، يتمثل في كون الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تمتلك قوة قادرة على منع المخاطر أو تخفيفها فعلا. ففي حين تقدم شركات التأمين في الدول الأخرى حماية مالية، تقدم الشركات الأميركية حماية مالية مدعومة بحماية عسكرية. وهذا يجعلها أكثر قدرة على اجتذاب الزبائن، وأكثر قدرة على تسعير الأقساط باحترافية، وأكثر قدرة على تحقيق أرباح مستقرة، وأقل عرضة للارتفاع المفاجئ في كلفة التعويضات. فضلا عن تمكينها من الاستحواذ على عقود التأمين عالية القيمة في الأزمات. فحين تتصاعد المخاطر، تهرب الشركات الأخرى من السوق، بينما ترتفع أرباح الشركات الأميركية لأنها الطرف الأكثر ضمانا للسلامة.

 

الجيش كاستثمار منتج

وفق هذه المعادلة الاقتصادية، يتحول الجيش الأميركي إلى أكبر ضمانة سيادية في العالم. وهذا الضمان ليس رمزيا، بل يتحول مباشرة إلى ثروة عبر عقود التأمين البحري والبري والجوي، والتأمين على سلاسل الإمداد، وعلى الكابلات البحرية وشبكات الاتصالات، والمشروعات الدولية للشركات الأميركية، فضلا عن التأمين على الاستثمار عبر مؤسسات حكومية مثل  OPIC و EXIM.

هكذا فإن الجيش، الذي يبدو للوهلة الأولى مكونا غير اقتصادي، يشكل في الواقع بنية تحتية للأمان العالمي، ومنصة لخفض كلفة المخاطر. وبالتالي يصبح محركا لأرباح شركات التأمين، وعاملا حاسما في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين، وردعا صلبا يحمي الدولار كمخزن للقيمة.

بهذا المعنى، فهو استثمار منتج يولّد ثروة غير مباشرة لكنها منتظمة

 

كيف يتحول الأمن إلى أموال

يؤمن الجيش الطرق التجارية، فتنخفض المخاطر العالمية، وتسمح بتثبيت هيمنة شركات التأمين الأميركية على سوق التأمين، ما يعني تدفقا لأرباحها إلى النظام المالي الأميركي، الأمر الذي يساهم مساهمة فاعلة في تمتين قوة الدولار بوصفه عملة تسوية. وهذا ينعكس حكما على اتجاه الاستثمارات العالمية، التي تفضل الأسواق المحمية والقادرة على الحماية، وفي النهاية تمول هذه العمليات كلها جزءا من الإنفاق الدفاعي، ما يسمح للجيش الممول جيدا بتوسيع مظلته الأمنية، وتاليا توليد مزيد من الأرباح. هذه الحلقة المقفلة تجعل القوة العسكرية الأميركية رافعة مالية لا تقل أهمية عن الاحتياطي الفيدرالي أو وول ستريت.

التأمين كسلاح هيمنة ناعمة

حين تتعرض الملاحة العالمية لأي تهديد، فإن من يملك القدرة على إبقاء أقساط التأمين عند مستوى مقبول هو نفسه الذي يسمح للتجارة العالمية بالاستمرار، خصوصا في أزمان الأزمات. وفي هذا المجال تتفوق الولايات المتحدة على كل دول العالم، لأنها قادرة على التحكم بالمخاطر على نحو أفضل من غيرها، عبر الجيش، وتتحكم بتسعير المخاطر عبر شركات التأمين، فصلا عن كونها تتحكم بالنظام القانوني الذي ينظم عقود التأمين، إضافة إلى تحكمها بالدولار الذي تُسعّر هذه العقود به. وبذلك تصبح الهيمنة الأميركية هيمنة على قدرة العالم على تعريف الأمان نفسه. وبالتالي فإن ربط القوة العسكرية باقتصاد التأمين العالمي يكشف عن توليد القوة الصلبة المتمثلة بالجيش، قوة ناعمة تتمثل في التدفقات المالية

 

في الخلاصة لا يبدو الجيش الأميركي مؤسسة تبتلع الثروات الأميركية، بل هو مزود لخدمة أمنية عالمية، تترجم إلى أرقام مالية وأرباح. فوجود الأسطول الخامس في الخليج والسادس في المتوسط، والسابع في المحيط الهادئ يخلق تأثيرا ردعيا، يُترجم مباشرة في أقساط تأمين الشحن. وعندما تهدد إيران بإغلاق مضيق هرمز مثلا، ترتفع أقساط التأمين بنسبة 300 % في غضون ساعات. ولا تنخفض هذه النسبة إلا حين تتدخل القوة الأميركية لضبط التهديد أو الحد من آثاره. وهذا إضافة إلى بعده الجيو-استراتيجي، ليس أقل من تحكم مباشر في تكلفة التجارة العالمية

من ناحية ثانية، فإنه خلال اندلاع الأزمات، مثل هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، تنظر شركات التأمين أولا إلى القدرة الأميركية على تأمين الممر البحري قبل تحديد السعر. لأنها الدولة الوحيدة التي تملك خيار التصعيد العسكري المباشر لحماية التجارة، ما يجعلها المؤمّن الأخير، بحكم الأمر الواقع

 

التأمين كامتداد للسياسة الخارجية: الهيمنة عبر الأسواق

شركات التأمين الأميركية (مثل AIG، CHUBB، و TRAVELERS) وتلك الأوروبية المتحالفة معها (مثل LLOYD’S of LONDON) والتي تعمل في فلك المصالح الغربيةـ ليست جهات خاصة محايدة تماما، بل هي أذرع غير رسمية للنفوذ الجيوسياسي. وحين ترفع هذه الشركات أقساط التأمين على السفن المتجهة إلى ميناء معين أو منطقة نزاع، فهي عمليا تفرض عقوبة مالية على تلك الدولة قبل أن تقرر واشنطن فرض عقوبات عليها. وبهذا يصبح التأمين نظام إنذار مبكر وعقاب مالي في الوقت نفسه. فضلا عن هذا التحكم، فإن شركات التأمين الأميركية تملك سلطة الامتناع بوصفها عقابا أيضا، فحين ترفض هذه الشركات تأمين مشروع غاز أو منجم في سريلانكا أو باكستان بسبب مخاطر جيوسياسية، يصبح المشروع غير جاذب للمستثمرين. وهذا يعتبر تحكما غير مباشر في تدفق الاستثمارات العالمية

بهذا المعنى، الإنفاق العسكري الأمريكي هو أكبر مشروع استثماري في البنية التحتية للأمن العالمي، وعائداته لا تظهر في ميزانية البنتاغون، بل في قوائم أرباح شركات التأمين ومتانة الدولار

 

الضريبة الإمبراطورية الحديثة 

تمول الضرائب الأميركية نفقات الجيش، فيما يؤمن الجيش سلامة الممرات البحرية والمصالح العالمية، وحين تتدفق أرباح التأمين الهائلة إلى أميركا، ترتفع قيمة الأسهم في وول ستريت والأصول المالية في المصارف، وهذا النمو في القطاع المالي يرفع قيمة القاعدة الضريبية ويرفع قدرة الحكومة على الاقتراض من دون حساب. وتاليا فإن الأموال الحكومية تعود لتمول نفقات الجيش ورفع نسبتها

هذه الدورة المتكاملة تجعل من الصعب فصل "الكلفة العسكرية" عن "المكاسب المالية". فالجيش يخلق الطروف المهيئة لاحتكار مالي، وهذا الاحتكار يغذي الخزانة التي تمول الجيش

 

التأمين على الاستثمارات: آلية OPIC و EXIM Bank كحالة دراسة

وهنا تكمن الآلية الأكثر وضوحا. تقدم مؤسسة التمويل الدولية للتنمية (DFC سابقا OPIC ) تأمينا للمستثمرين الأميركيين في الخارج ضد المخاطر السيادية، (تأميم، مصادرة، حرب، اضطرابات). وتحديد مستوى المخاطر هذه يتم من خلال مؤسسات عسكرية استخباراتية أميركية. والواضح أن استخدام مؤسسة التمويل الدولية للتنمية هذه المعلومات يشبه خصخصة الضمان السيادي الأميركي. فالمستثمر الأميركي يغامر لأن واشنطن ستضمنه

بنك التصدير والاستيراد (EXIM) يضمن الصفقات التصديرية الأميركية. عندما تبيع شركة بوينغ طائرات للمملكة العربية السعودية مثلا، يضمن EXIM الدفع. وهذا الضمان يستند إلى قوة أميركا التفاوضية والعسكرية، في فرض عقوبات أو حماية الاتفاقيات

 

الكابلات البحرية والفضاء الإلكتروني – حدود جديدة للتأمين

تأمين الكابلات البحرية: 99% من البيانات العالمية تمر عبر كابلات تحت البحار. وبما أن الجيش الأميركي (سلاح البحرية تحديدا) يراقب ويحمي نقاط الالتقاء الحرجة. فإن شركات التأمين التي تغطي هذه الكابلات تعتمد كليا على هذه الحماية لتسعير المخاطر. وبالتالي تتحكم أميركا بتأمين البنية التحتية للإنترنت لأنها تتحكم بأمن البحار عمليا

تأمين الفضاء الإلكتروني: سوق التأمين ضد الهجمات الإلكترونية (Cyber Insurance) هو الأسرع نموا في العالم. والوكالات الأمنية الأميركية مثل NSA هي التي تحدد معايير الأمن المقبولة. والتي تعتمدها شركات التأمين كشرط أساسي للتغطية. في النتيجة أميركا تصدر معايير الأمن وتربح من تأمينها. هذا وليس خافيا أن كل هذه العقود يتم تسعيرها بالدولار وتكتب بالاستناد إلى القانون الأنغلوساكسوني، وينظر فيها في محاكم لندن ونيويورك

وبالتالي فإن ما يقوم به الجيش الأميركي المبالغ في الإنفاق عليه، لا يقتصر فقط على حماية أميركا وحلفائها، بل ينشئ صناعة جديدة من العدم، هي صناعة الخطر، حيث تقوم الجهة نفسها (الاستخبارات الأميركية ومؤسساتها الأمنية) بتحديد مكامن الخطر وطبيعته، وهي نفسها تقوم بالتأمين ضده وفي مواجهته. والمشتري بهذا المعنى لا يشتري تأمينا فقط، بل يشتري حصانة تضمنها القوة الأميركية المتمثلة بالجيش

في الماضي كانت الإمبراطوريات تفرض ضرائب مباشرة على التجارة (الجمارك)، الآن تفرض الإمبراطورية الأمريكية ضريبة غير مباشرة عبر أقساط التأمين التي تهيمن على تسعيرها. والجيش هو ذراعها التنفيذي لخفض المخاطر الفعلية، وشركات التأمين هي ذراعها المالي لتحويل الأمن إلى تدفق أرباح

في الخلاصة تبيع أميركا للعالم الأمان وتشتري بخوفه مقعد السيادة الدائمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث