كتب دونالد ترامب على منصته الخاصة، Truth Social، في 13 كانون الثاني/ يناير: "استمروا في الاحتجاج، استولوا على أجهزة السلطة، على المؤسسات الرسمية! المساعدة آتية!".
استمرت الاحتجاجات الأكثر دموية في تاريخ الجمهورية الإسلامية قرابة الأسبوع في ذلك الحين. وغرقت البلاد في ظلام دامس وانقطعت عن العالم الخارجي. وكان يتم توفير خدمة الإنترنت على نحوٍ متقطع عبر أقل من 40 ألف نقطة توزيع من أجهزة ستارلينك (Starlink ) التي تم إدخالها إلى البلاد عشية الاحتجاجات. لكن النظام الإيراني ردّ بسرعة وكفاءة، مستخدماً أجهزة تشويش إلكترونية روسية وصينية. وكان صاحب نقطة التوزيع التي يتم رصدها، يختفي في السجن، وقد لا يُعثر له على أثر بعدها.
ذاك كان ثمن الحرية بالنسبة للغرب والولايات المتحدة، الذين دهشوا ببطولة المتظاهرين في إيران. وتم فضّ الاحتجاجات، واستؤنفت الاتصالات، وجثث آلاف الشباب الملفوفة بالأكياس البلاستيكية السوداء ملقاة في المشارح، يقلبها الأهل علهم يعثرون بينها على من لهم.
ثلاثة أسابيع مرت ، والمساعدات التي وعد بها ترامب استجابةً لدعوات "الاستيلاء على المؤسسات الرسمية" لم تصل إيران بعد. قبل أسبوع، حبس العالم أنفاسه، منتظراً في أي لحظة ضربة أميركية ساحقة لـ"النظام الإيراني"، لكن الضربة أيضاً لم تحصل بعد . ومع ذلك، شهد هذا الأسبوع العديد من التطورات البارزة، والتي قد تكون مرتبطة بتأجيل هذه الضربة أو حتى إلغائها.
خلال هذا الأسبوع الإضافي من حبس الأنفاس، كانت إيران تنشط بتعزيز قواتها، حيث كانت طائرات النقل العسكرية من الصين وروسيا تنقل الشحنات وتُفرغها ثم تعود لتشحن المزيد. ويُقال إنها نقلت معدات ثقيلة، وكذلك إختصاصيين. أي حين كان ترامب يعزز قواته، كان يمنح إيران الوقت لتعزيز استعداداتها.
في موسكو التي تلعب دوراً مهماً في إنقاذ النظام الإيراني، استقبل بوتين في 28 المنصرم بالكرملين كبير حاخامي روسيا بيرل لازار ورئيس فيديرالية الجماعات اليهودية في روسيا. وقبل هذا بعدة أيام فقط، وعلى حسابه في إنستغرام، وصف مجتبى، نجل خامنئي، ما يجري في إيران بأنه "حرب اليهود على الشيعة".
في 29 المنصرم، حل رئيس الإمارات العربية المتحدة ضيفاً على بوتين (الإمارات على إطلاع على جميع الخطط العسكرية الإسرائيلية الأميركية، ومن المرجح أنها منخرطة بشكل فعّال في سيناريو توجيه ضربة عسكرية لإيران). وحتى قبل أن تُختتم المفاوضات الروسية الإماراتية، كانت طائرة رسمية في طريقها من طهران إلى موسكو.
ليوم كامل صمت الكرملين عن هوية ركاب الطائرة وسبب مجيئهم. ولم يصمتوا مساء 30 كانون الثاني/ يناير عن لقاء بوتين برئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني. ونظرًا لأهمية اللقاء وتوقيته، لا أستبعد أن يكون لاريجاني قد اصطحب معه ليس فقط جنرالات، بل أيضًا أعضاءً بارزين في حكومة الظل الإيرانية. والجدير بالذكر أن خامنئي نفسه لم يغادر إيران منذ عام 1989.
ربما الظروف تضافرت لصالح إيران. ففي ليل 30-31 كانون الثاني/يناير، نشرت وزارة العدل الأميركية ملايين الملفات المتعلقة بقضية "إبستين" للاعتداء الجنسي على الأطفال، والتي كشفت النقاب عن الصورة الفاضحة والقذرة للمؤسسة السياسية العالمية بأكملها تقريبًا، بما في ذلك النخب الأميركية وأفراد العائلة المالكة البريطانية، وانشغل الجميع عن إيران.
الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو ربط صحيفة "ديلي ميل" البريطانية جيفري إبستين بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي FSB. من غير المرجح أن يكون مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI ووزارة العدل الأميركية قد نشرا كل ما لديهما من معلومات خلال فترة رئاسة ترامب. ومن المؤكد أن الأقبح لا يزال طي الكتمان. وماذا لو لم يكن لدى FBI كل الملفات، أو بتعبير أدق، ماذا لو لم يكن مكتب التحقيقات الفيدرالي وحده من يملكها، بل جهة ما أخرى تملكها أيضاً؟
وماذا لو كان إبستين مرتبطًا ليس فقط بأجهزة المخابرات البريطانية أو الإسرائيلية (إذ يظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك وآخرون باستمرار في الملفات)، بل أيضًا بالأجهزة الروسية؟ وبوتين، الضابط السابق في جهاز KGB يُدرك قيمة المعلومات المُسربة أكثر من أي شخص آخر. أليس من الممكن أن تكون مثل هذه الملفات القيمة هي التي سمحت له بالبقاء في الحكم لمدة 25 عاماً ويشهد تبدل 5 رؤساء أميركيين؟
في الأول من شباط/ فبراير، غادرت حاملة الطائرات أبراهام لينكولن البحر العماني، عائدة من حيث أبحرت إلى المحيط الهندي. يُغيّر ترامب فجأةً أجندته تجاه إيران، ويُعلن أن الإيرانيين تواصلوا معه ويطلبون التفاوض. ويبدو أن موضوع الاحتجاجات قد حُذف، وكأنها لم تكن. ويقول: "يجب ألا تمتلك إيران أسلحة نووية!" حسنًا، نحن على علم بذلك.
في اليوم عينه تحدث خامنئي بهدوء وثقة أمام الجمهور، معلناً أن محاولة انقلاب جرت في كانون الثاني/ يناير تحت ستار الاحتجاجات، حيث تم الاستيلاء على مؤسسات الدولة، لكنها قُمعت بالطبع. وأضاف أنه إذا بادرت الولايات المتحدة بضرب إيران، فسيكون الرد حرباً إقليمية واسعة النطاق.
قدّم النظام الإيراني ذو النزعة المسرحية عروضًا متعددة في آن واحد: ارتدى جميع أعضاء البرلمان، بمن فيهم كبار رجال الدين، لباس الحرس الثوري، وألزموهم بالهتاف، وهم يلوّحون بقبضاتهم، "الموت لإسرائيل، الموت لأمريكا". واقترح أحد رجال الدين حفر 5 آلاف قبر فارغ للجنود الأميركيين الذين يغامرون بدخول إيران. كما تمّ جرّ مجسم ضخم لصاروخ مُوجّه إلى إسرائيل إلى استوديو برنامج الشباب في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية على الهواء مباشرة (حتى أنني توقعتُ أن يُطلقوه من الإستديو مباشرة).
باختصار، حاولوا بأبسط وسائل الإيضاح شرح الأمور لكل من ترامب ونتنياهو، وأطلقوا ، كما حيوان النيص، كل شوكهم دفعة واحدة.
وخلافاً لما أُعلن سابقاً، لم يُعتقل الإصلاحي روحاني، المرشح الأبرز للقيادة. وهو يدعو إلى الاستماع إلى صوت الشعب وإلى تنفيذ إصلاحات جادة. وردّ خامنئي عبر نصر الله بيجمانفر، ممثل مدينة مشهد في البرلمان، قائلاً: "نعم، لقد حان وقت الإصلاحات الكبرى، وتحديداً إعتقال روحاني وإعدامه".
باختصار، يمكننا اليوم أن نقول إن المحافظين والمتشددين في إيران قد ازدادوا قوة. وقدمت موسكو بعض المساعدات الجادة، مما منح خامنئي القوة والثقة. وقام ترامب فجأة بسحب حاملة الطائرات، بينما نسي الجميع أمر إيران، وانشغلوا بفساد أقوياء العالم هذا وهم يقرأون ملفات إبستين.
من غير المرجح شنّ ضربة قبل يوم الجمعة. إذ من المقرر مبدئيًا عقد جولة من محادثات السلام بين عراقجي وويتكووف- كوشنر في السادس من شباط/فبراير. يماطل الفرس لكسب الوقت، وهو ما يصب في مصلحتهم. نعم، نعم، هم مقتنعون كلياً أن السلاح النووي هو شر؛ نعم، هم مستعدون لتخفيض اليورانيوم إلى 20% غير الصالحة للسلاح؛ والـ400 كلغ اليورانيوم المخصب هم لم يخبئونها عمداً، فهي مخفية في مكان ما عميقاً تحت الأرض بعد القصف الأميركي، ويتوجب العثور عليها (ربما بعد 50 عاماً على الأقل) ومن ثم تسليمها. لكن في الوقت عينه، صرّح مسؤولان -مدير الأمن القومي السابق شمخاني ونائب الرئيس الحالي باقري كاني- بأن إخراج اليورانيوم الإيراني المخصب من البلاد (كما كان بوتين يرغب بشدة وعرض خدماته) أمرٌ مستحيل. أي نوع من الاتفاقات هذا؟ هل نعد بعدم صنع قنبلة ذرية ونسمح للمفتشين بدخول جميع المنشآت؟ أو لا نسمح بدخولهم، ونكتفي بالقول "صدقوا كلامنا"؟.
السؤال هو: هل سينخرط ترامب في هذه اللعبة الفارسية، أم سيستخدم المفاوضات نفسها لإخفاء نواياه الحقيقية، كعملية خاصة خاطفة تستهدف رموز النظام مثلاً؟ ففي نهاية المطاف، لا يمكن إسقاط النظام من دون عملية برية، ولا يوجد مجانين مستعدون للقيام بذلك، حتى في تل أبيب.
وهذا ما حدث بالضبط في حزيران/ يونيو، حين منح ترامب إيران فرصة "لإبرام اتفاق" مستحيل مسبقاً. ثم ما إن غادر فيتكوف وعراقجي حتى اندلعت الحرب. على أي حال، يمكن للأطراف مناقشة السيناريو والتوقعات يوم الجمعة المقبل في مسقط بدل إسطنبول، ومن دون حضور أي من المدعوين سابقاً. وبإمكانهم إيجاد مخرج من هذا المأزق بطريقة يراها الرأي العام. ولنخمن كيف يمكن للجميع أن يخرج من الوضع بما يثير إعجاب الجمهور، أو الحرب بجدية.
ملاحظة:
في الساعات الأخيرة من يوم الأربعاء، أعلن ترامب إلغاء محادثات يوم الجمعة. ربما تأثر قرار ترامب بتصريح نتنياهو، الذي أعلن فيه رفض الاتفاق النووي. ويطالب نتنياهو إيران ليس فقط بتسليم كل مخزونها من اليورانيوم، بل أيضاً بالتوقف التام عن برنامجها الصاروخي، أي نزع السلاح عملياً. وكأنما يقول لخامنئي: "سلم السلاح لنتمكن من قتلك بسرعة أكثر". لكن خامنئي ليس مادورو، ولن يرقص ويصرخ "لا للحرب!".
هكذا يستحضر خامنئي ونتنياهو روح الحرب، التي تحوم مجدداً فوق الخليج.
