قصفُ بوتين لمواقع الطاقة الكهربائية في المدن الأوكرانية، وحرمان الأوكران من مصادر النور والتدفئة في صقيع الشتاء القارس، يذكّر الأوكران بالمجاعة التي افتعلها ستالين في مطلع ثلاثينات القرن الماضي في أوكرانيا.
وقد أثار استياء ترامب قرار بوتين استخدام الصقيع سلاحاً في حربه على أوكرانيا، وطلب منه وقف قصف المدن الأوكرانية ومواقع الطاقة الكهربائية لمدة أسبوع. ويستشم من تصريح ترامب بهذا الصدد، أنه شعر بالتعاطف مع الأوكران "الذين يعانون من الوضع نفسه الذي نعاني منه ...في هذا الطقس البارد غير المعتاد"، حسب موقع الخدمة الروسية في BBC 29 الشهر المنصرم. وأشار الموقع إلى أن الناطق بإسم الكرملين دمتري بيسكوف أكد اتصال ترامب بالرئيس بوتين، وقال إن الكرملين وافق على تعليق القصف حتى الأول من شباط/فبراير الحالي، أي ليس أسبوعاً كما أعلن ترامب. وفي الواقع لم يلتزم بوتين حتى بالمهلة التي أعلنها، بل استأنف القصف في ليل 30 الشهر المنصرم، أي في الليلة عينها التي أعلن خلالها أنه سيلتزم بوقف القصف حتى الأول من الجاري، حسب الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW في 30 الشهر المنصرم.
في سياق حرب البلاشفة على الفلاحين الذين كانوا يسوقونهم عنوة إلى الكولخوزات، قامت سلطة ستالين أواخر العشرينات بمصادرة الحبوب من الفلاحين، خصوصاً القمح وما يدخره الفلاحون منه كبذار للموسم التالي. واستشرس البلاشفة في مصادرة الحبوب بشكل خاص في أوكرانيا، التي شهدت في تلك السنوات حوالى 4 آلاف انتفاضة فلاحية ضد سلطتهم. واصطدمت أوكرانيا حينها بمجاعة حصدت حوالى 4 ملايين أوكراني، وانتشرت ظاهرة أكلة لحوم البشر، حسب موقع kokl الأوكراني مطلع الشهرالجاري.
لم ينشر الموقع الأوكراني نصه عن مجاعات الثلاثينات (وهي ثلاث) ليذكر بالمجاعة وحسب. فأوكرانيا تحتفي سنوياً بهذه الذكرى، حيث تتوقف الحركة في كل أوكرانيا في ساعة محددة، وتضيئ جميع منازل الأوكران شمعة على نوافذها، ويضع المسؤولون سنابل الحنطة عند أقدام نصب ضحايا المجاعة. لكنه نشر النص في هذه الأيام التي يعاني فيها الأوكران من صقيع بوتين ما يشبه ما عاناه آباؤهم وأجدادهم من مجاعة ستالين.
موقع الخدمة الروسية في "الحرة" الأميركية نشر في 16 الشهر المنصرم نصاً جمع فيه ما كتبه مدونون أوكران وروس وسواهم عن المعاناة من الصقيع الذي يفرضه بوتين على البيوت والمدن الأوكرانية. عنون الموقع نصه بالقول "سفالة وسادية. مدونون يكتبون عن المدن الأوكرانية المتجمدة"
قدم الموقع للنص بالإشارة إلى أن جهاز الأمن الأوكراني جمع أدلة تؤكد أن الضربات الروسية على قطاع الطاقة تُشكل سياسةً مُمنهجةً للكرملين تهدف إلى تدمير الشعب الأوكراني، وتحمل بصمات جرائم ضد الإنسانية. ويشير الجهاز إلى أنه منذ بداية موسم التدفئة، تم توثيق 256 غارة جوية روسية على منشآت الطاقة وأنظمة التدفئة في أوكرانيا.
أشار الموقع إلى أن المدونين يستذكرون حصار لينينغراد، ويتأملون في المسؤولية التي لا يتحملها الكرملين فقط، بل وكل الروس العاديين، وكذلك "الروس الطيبين" الذين أرسلهم الكرملين إلى القرم للتمهيد لاحتلاله العسكري.
بين المدونين كانت لينا التي رسمت صورة لوضعها في منزلها المتجمد من الصقيع تجعلك تشعر به ينخر عظامك. واستهلت مدونتها الطويلة بالقول: "طالما أن دماغي لم يتجمد كلياً بعد، أريد أن أشارككم فكرتين ...".
إيراكلي اشتكى من أنه لا يستطيع النوم والساعة كانت الثانية ليلاً، ودرجة الحرارة في الخارج 17 تحت الصفر، "إنه إرهاب وإبادة جماعية". وأضاف: "يقولون لنا استسلموا، وإلا سنقتل جميع أحبائكم وسنسوي مدنكم بالأرض". وقال: "نستسلم؟ لمن؟ لهؤلاء الأوغاد المستعدين لقتل المدنيين العزل؟ وانتهى إلى التأكيد: "أوكرانيا لن تستسلم! لن نعيش تحت حكم هذه الحثالة، تحت حكم هذا "الشعب"!
المؤرخ والسوسيولجي الألماني من أصل روسي، نيكولاي ميتروخين، أشار في مدونته إلى أن الكهرباء مقطوعة كلياً عن مدينة كييف في ظل درجات حرارة جليدية. ويعدد المناطق الأوكرانية الأخرى التي ستعيش قريباً الوضع عينه. ويطلب من ألمانيا والدول المجاورة لأوكرانيا أن تستعد لموجة هجرة أوكرانية جديدة من عشرات الآلاف، ولاحقاً قد تصل إلى نصف مليون مهاجر. ويرجح أن ينضم إليهم اللاجئون من إيران بحلول منتصف شباط/ فبراير.
صحيفة novayagazeta الروسية المعارضة التي تصدر في البلطيق نشرت في الأول من الشهر الجاري نصاً بعنوان "يواصل بوتين عمل جلادي ستالين في أوكرانيا".
تستهل الصحيفة نصها بالإشارة إلى أن ستالين أطلق على الشعب الروسي أواخر ثلاثينات القرن الماضي صفة "الأخ الأكبر" للشعوب السوفياتية الأخرى. وربما كان ستالين يقصد الشعب الأوكراني أكثر من سواه، كونه الشعب الثاني عددياً بعد الشعب الروسي. وقد أطلق ستالين هذه الصفة على الشعب الروسي في الوقت الذي كانت قد انتهت للتو المرحلة الحاسمة من عملية تدمير سكان الريف في البلاد. وقد حملت هذه الحلقة الدورية من الحرب على المواطنين طابع الإبادة الجماعية على نحو خاص، وجرت في أكثر مناطق البلاد ازدهاراً. وهناك "حصدت الوحوش وآكلو لحوم البشر والقتلة والمغتصبون أغنى المحاصيل من القتلى ومن الحبوب المصادرة: وبعد عقود أطلق الأوكران على الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحقهم مصطلح "غولودومور"، القتل بالجوع.
بعد مرور قرابة مئة عام على مجاعة غولودومور، اصطدم الشعب الأوكراني بمبادرة "أخوية" جديدة: "خولودومور"، القتل بالبرد. وينكر بوتين اليوم مسؤولية جلادي البلاشفة بزعامة ستالين عن مذبحة غولودومور، ويحملها للظروف الطبيعية.
الصحافي الروسي المعارض والمحاضر في أحدى جامعات براغ سيرغي ميدفيديف، نشر في 30 الشهر المنصرم على موقع الخدمة الروسية في "الحرة" الأميركية المذكور أعلاه. تحدث الكاتب في مطلع النص عن رحلة استجمام على شاطئ البحر قام بها جده وجدته في ذروة جوع "غولودومور" في العام 1933. مر القطار الذي أقل الجد والجدة عبر مدينة كييف، واحتشدت أمام مقطورتهما هياكل عظمية بشرية لا تزال تتحرك وطلبت منهما طعاماً. أقفل المسافران زجاج المقطورة وأسدلا الستائر ليتخلصا من الهياكل العظمية ومشهد الجثث البشرية التي تغطي أرصفة الشارع.
سرد الكاتب قصة الجد والجدة ليقول كيف كان سكان موسكو وروسيا يعيشون حياتهم الطبيعية، غير آبهين بالموت جوعاً الذي يحصد الملايين من "أشقائهم" في البلد السوفياتي المجاور. وهو نفسه ما يجري الآن، حين استبدلت روسيا القتل جوعاً بالقتل برداً في أوكرانيا. ويشير إلى أن الصحافة الروسية والمدونين المؤيدين للحرب على أوكرانيا، ينشرون التحقيقات ومقالات الشماتة بما تعانيه كييف والمدن الأوكرانية من صقيع.
الصحافي الأوكراني العامل في راديو "الحرة" الأميركية فيتالي بورتنيكوف، قال لـِ "المدن" إن الأوكران يتوقعون كل يوم تقريباً في هذا الشتاء البارد، تجدد القصف الروسي على البنية التحتية للطاقة الكهربائية. ويرى أن بوتين يحاول إظهار قوته وقسوته للعالم، لكنه في الحقيقة لا يُظهر سوى عجزه. فمحاولاته لجعل أوكرانيا غير صالحة للعيش فيها، ما هي إلا تذكير آخر بفشل حربه الخاطفة وإخفاقات جيشه.
يرى بورتنيكوف أن الحرب التي أشعلها بوتين قبل أربع سنوات، كان من المفترض أن تنتهي في غضون أسابيع باحتلال معظم أراضي البلاد. لكن بعد أربع سنوات من الحرب، لا يزال الجيش الروسي عاجزًا عن السيطرة حتى على كامل أراضي منطقة دونيتسك، ويستغل عملية السلام في محاولة للاستيلاء على هذه المنطقة من دون قتال، مطالبًا بانسحاب القوات الأوكرانية.
