هاتف منتصف الليل: بين السلطة والمثقف في سوريا الأسد

سلام الكواكبيالاثنين 2026/02/02
Image-1769972751
.. حتى النوم كان امتيازاً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في عهد بشار الأسد، تعلّمتُ مبكراً أن منتصف الليل ليس توقيتاً محايداً. هو ساعةٌ رمادية، لا تنتمي تماماً إلى اليوم ولا إلى الغد، ساعةٌ تتخفّف فيها المدينة من ضجيجها لتترك الإنسان وحده مع أفكاره… ومع هاتفٍ يمكن أن يرنّ فجأة فيقلب كل شيء. في تلك الليلة رنّ هاتفي، وأتاني صوتٌ يحمل جرعة من القلق. صوتٌ يتقن فنّ التهذيب الذي يخفي التهديد.

 

عرّف المتصل نفسه بطريقة مبهمة، ثم تحدّث باسم "الشباب المناوبين في الفرع". لم يكن ثمة حاجة لتسمية الفرع؛ الجميع يعرف ما يعنيه. في سوريا الأسد، كلمة "الفرع" تكفي لتستدعي تاريخاً من القلق، والملفات، والانتظار، والاختفاء، والأسئلة التي لا تُطرح إلا وهي محمّلةً بمعنى واحد: أنت مشبوه. قال إنهم ساهرين، وإنهم يريدون أن "يزيدوا من معارفهم العلمية"، وأنهم يبحثون عن تعريفٍ لمفهوم المجتمع المدني، ورأوا أنني "الأجدر" بالإجابة.

عندها أدركت أن السؤال ليس بريئاً. لقد كان اختباراً ضمنياً لموقفي، لحدود لغتي، ولمسافة استقلالي عن خطاب السلطة. في سوريا الأسد، حتى المفاهيم تتحوّل إلى ساحات اشتباك. المجتمع المدني، الذي يفترض أن يكون فضاءً للتنظيم الحرّ، والعمل التطوعي، والنقابات المستقلة، والصحافة النقدية، يُنظر إليه بعين الشكّ، لأنّه يذكّر الدولة بأن هناك مجتمعاً يمكن أن يفكّر ويتحرّك خارج توجيهاتها.

اقترحتُ عليهم أن نؤجّل النقاش إلى الصباح في مكتبي، حيث يمكن أن أتوسّع بالشرح. لكن الردّ جاء حاسماً، وبدأت لغة المتحدّث وكأنها تقول لي إن الزمن والمكان ليسا ملكي، وإن الدولة قادرة على اختراق الليل والبيت معاً. وسرعان ما طرح زيارتي في منزلي أو اصطحابي إلى الفرع. حينها فهمت معنى أن تكون مواطناً في دولةٍ ترى نفسها فوق كل شيء.

 

رضختُ، مستنداً إلى غريزة البقاء. وأجبتُه، لكنني وجدت نفسي أستحضر لغةً سياسية جاهزة عن الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، تلك اللغة التي كانت مألوفة في عهد الأسد، والتي تُستخدم لتأطير كل نقاشٍ داخلي ضمن سردية مسبقة الصنع. لم أفعل ذلك اقتناعاً بقدر ما فعلته إدراكاً بأن هذه اللغة تشكّل درعاً خطابياً يخفّف من احتمالات الاشتباه.

هذه الواقعة لم تكن حادثة شخصية معزولة، بل نافذة على طبيعة العلاقة بين الدولة والمثقف في سوريا الأسد. المثقف مطلوب، لكن ضمن حدود. يُستدعى ليُفسّر، لكن لا ليُسائل. يُطلب منه التعريف، لكن ليس النقد. تُمنح له مساحة كلام مشروطة، حيث الحرية تُقاس بقدرته على عدم تجاوز الخطوط الحمراء غير المعلنة.

السؤال عن المجتمع المدني في هذا السياق كان مفارقة صارخة. فالمجتمع المدني الحقيقي يقوم على الثقة، وسيادة القانون، وحق التنظيم المستقل، وحرية التعبير. أما في عهد الأسد، فهذه العناصر كانت إمّا مقيّدة أو مُفرغة من مضمونها. كثيرٌ مما سُمّي بمنظمات المجتمع المدني، كان في الواقع امتداداتٍ شبه رسمية للدولة، تعمل ضمن سقفٍ سياسي صارم، وتروّج لخطابٍ يُحابي السلطة.

 

لهذا السبب، كان طلب تعريف المجتمع المدني ليلاً، من داخل جهاز أمني، بمنزلة سؤالٍ وجوديّ أكثر منه معرفياً: هل يمكن للدولة الأمنية أن تتصوّر مجتمعاً مدنياً لا يخضع لها؟ أم أنها تريد تعريفاً يُحوّل المجتمع المدني إلى أداةٍ إضافية في يدها؟

لقد كشفت لي المكالمة هشاشة مفهوم الأمان. فالبيت الذي يفترض أن يكون ملاذاً خاصاً، بدا فجأةً مفتوحاً على عين الدولة. الليل، الذي يفترض أن يكون وقتاً للراحة، صار وقت استدعاءٍ محتمل. حتى النوم لم يعد حقاً بسيطاً، بل امتيازاً يمكن سحبه في أي لحظة. لكن التجربة كانت أيضاً درساً فكرياً عميقاً. أدركت من خلاله أن المجتمع المدني لا يُعرَّف فقط في الكتب، بل يتجلّى في تفاصيل الحياة اليومية، كالقدرة على النوم من دون خوف، على تلقي مكالمة من دون رعب، على قول الرأي من دون الخشية من عواقبه الأمنية. حين يُنتزع هذا الحق، يصبح الحديث عن المجتمع المدني مجرّد تنظيرٍ فارغ.

 

في عهد بشار الأسد، كانت الدولة تسعى إلى الظهور بمظهر الدولة الحديثة التي تتحدث عن التنمية والمجتمع المدني والإصلاح، لكنها في العمق حافظت على منطقٍ أمنيٍّ صارمٍ يجعل هذه المفاهيم شكلية. المجتمع المدني المسموح به هو ذلك الذي لا يعارض، ولا يراقب، ولا يحتجّ، ولا ينظّم خارج القنوات الرسمية. أما المجتمع المدني الحقيقي، النقدي والمستقل، فقد ظلّ موضع ريبة.

هذه المكالمة جعلتني أعيد التفكير في دور المثقف نفسه. هل هو شاهد أم شريك؟ ضحية أم مساهم؟ هل عليه أن يقول الحقيقة مهما كان الثمن، أم أن الحكمة تقتضي المراوغة أحياناً؟ لا توجد إجابة سهلة، خصوصاً في ظل دولةٍ لا تفصل بين المعرفة والأمن.

كما أنها كشفت طبيعة اللغة السياسية في تلك المرحلة. الشتائم ضد "الاستعمار" و"الصهيونية" لم تكن دائماً تعبيراً عن موقفٍ تحرّري، بل أحياناً بطاقة مرورٍ داخل خطاب السلطة. من يتقن هذه اللغة يُعتبر آمناً، حتى لو كان نقده الداخلي صامتاً.

 

اليوم، حين أستعيد تلك الليلة، لا استرجع فقط الخوف الذي شعرت به، بل في السؤال الأكبر الذي ظلّ معلّقاً: أي مجتمع مدني يمكن أن ينشأ في ظل دولةٍ تتصل بمفكريها بعد منتصف الليل؟ أي حرية يمكن أن تزدهر حين يصبح الهاتف أداة تهديد، والبيت مساحة قابلة للاختراق، والكلمة نفسها موضع حسابٍ أمني؟

ربما كانت تلك المكالمة درساً قاسياً، لكنها كانت أيضاً لحظة كاشفة. كشفت أن المجتمع المدني ليس مفهوماً أكاديمياً فحسب، بل معياراً لقياس طبيعة الدولة. حين يُستدعى المثقف ليلاً تحت التهديد، فإن المشكلة ليست في التعريف، بل في النظام الذي يحتاج إلى مثل هذا الاستدعاء.

وفي النهاية، لا يزال السؤال قائماً، ليس بوصفه سؤالاً نظرياً، بل بوصفه تجربة معيشة في سوريا الأسد، وربما تستمر. فليس المهم فقط ما هو المجتمع المدني، بل ما نوع الدولة التي تسمح له -أو تمنعه- من الوجود.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث