الشرع والطريق المبارك إلى الكرملين

عمر قدورالسبت 2026/01/31
بوتين الشرع
طريق الشرع إلى الكرملين مباركٌ غربياً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

الطريق إلى الكرملين مبارك، ليس بالمعنى الذي قاله الشرع متوجِّهاً به إلى بوتين؛ المعنى الذي استنكره كثير من السوريين، بمن فيهم متحمّسون للسلطة أو للشرع شخصياً. والطريق إلى الكرملين هو طريق الضرورة، أو هو إجباري، وأيضاً ليس فقط على النحو الظاهر الذي يشير إلى كون روسيا عضواً في مجلس الأمن، وللقوات الروسية حضور في سوريا بموجب معاهدات أبرمها الأسد الأب ثم الابن، وصولاً إلى الالتزامات المالية المتعلقة بديون روسية.

 

المطالبة بتسليم بشار الأسد المقيم في موسكو هي خارج المباحثات في الكرملين، وقد لا تكون طُرحت ثم استُبعِدتْ حتى في أثناء ترتيبات زيارة الشرع إلى موسكو، سواء زيارته يوم الأربعاء الفائت أو تلك التي حدثت في شهر تشرين الأول/أكتوبر. أما إشارة الشرع إلى ثلاثة عشر لقاءً روسياً-سورياً، بعد تسلّمه السلطة، فهي كافية للتأكيد على أن الدور الروسي في إنقاذ بشار الأسد من السقوط صار من الماضي، ولا حاجة لتصريحات أخيرة لوزير الخارجية لافروف تتضمن هذه المعاني على نحو شبه صريح.

طريق الشرع إلى الكرملين مباركٌ غربياً، بخلاف ما يتصور سوريين كثر، ومنهم أولئك الذين راحوا يشيدون بنهج السلطة الجديدة في إقامة توازنات بعلاقاتها بين الغرب وروسيا. جدير بالذكر أن الغرب، وفي مقدمه الولايات المتحدة، لم يكن لديه اعتراض على تولّي موسكو الملفات التي لا يريد الغرب التورط فيها مباشرة. التدخل الروسي لإنقاذ الأسد أتى بتواطؤ أميركي، بل ظهر التواطؤ علناً مع الاشتباك الذي حدث آنذاك بين أنقرة وموسكو، قبل رضوخ الأولى لقواعد اللعبة.

 

ومن المتوقع أن ملف التسليح في مقدمة الملفات التي يريد الغرب النأي عنها حالياً، والملاحظ أنه لم يُطرح علناً، وبقي بعيداً عن النقاش السوري أكثر من أي ملف آخر. فالغرب لا يريد التماس مع ملف شائك في العديد من جوانبه، لأنه لا يريد تسليح جيش فيه آلاف المقاتلين الأجانب، ولا يُستبعد أن العديد منهم على لوائح الإرهاب هنا أو هناك. وإذا كان وجود هؤلاء المقاتلين في مكان مكشوف، وتحت الضبط، يهدّئ المخاوف منهم فأمر تسليحهم مختلف، تحديداً في بلدان لن تنجو فيها الحكومات من الضجة التي ستثيرها المعارضة ووسائل الإعلام فيما لو قررت تسليح "الجيش العربي السوري".

وبالطبع ثمة العامل الإسرائيلي، وهو ماثل تقليدياً. يُذكر أن الحكومات السورية في عهد الاستقلال اضطرت إلى الاتجاه شرقاً من أجل تسليح الجيش آنذاك. أي أن عقد صفقات تسليح مع بلدان الكتلة الشرقية حينها لم يكن خياراً من بين عدة خيارات، وكانت هناك مفاوضات مع دول غربية فشلت لأن تلك الدول لا تريد توريد أسلحة إلى بلد في حالة عداء مع إسرائيل، والتورّط تالياً في شروط الأخيرة وما تقبل به أو ترفضه، أو تستخدم القوة العسكرية ضده. والحديث عن التسليح لا يقتصر طبعاً على معدات تُشحن من بلد إلى آخر، فالاتفاقيات تتضمن عقود الصيانة والتدريب... فلا تتوقف المسؤولية المادية والمعنوية للمورّدين عند إبرام الصفقة وتسليم السلاح. 

 

تحييد العامل الإسرائيلي، ضمن مواصفات تسليح لا تعترض عليها تل أبيب، لا يكفي لتتدفق الإمدادات من الغرب. هذه الصيغة تتضمن أن التسليح لن يكون لأغراض هجومية أو دفاعية خارجية، وأن القوات المستفيدة منه ستكون مجهّزة لمواجه الداخل أولاً وأخيراً، وهو ما يتحاشاه معظم البلدان الغربية التي لا تضمن ألا تسلك القوات سبيلاً محرجاً لها، الآن أو مستقبلاً.

لا حاجة للقول إن ما تأخذه الحكومات الغربية بالحسبان لا يكنّ له بوتين أدنى اعتبار، ما يجعله مرشّحاً للقيام بالدور المطلوب. أبعد من بوتين، يكاد يكون هذا النهج من ثوابت السياسة الروسية، تغذّيه تجارة السلاح الذي يعتمد جزء ملحوظ منها على إمداد أنظمة خارج دائرة الإمداد الغربية. وهذا بالتأكيد لا يبرئ الغرب من دعم أنظمة استبداد في بقاع أخرى من العالم، أو حتى بلدان الشرق الأوسط الخارجة عن الحسابات الإسرائيلية.

 

استقرار النهج الروسي لا يتوقف عند الجانب التسليحي، إذ لطالما تباهت موسكو بوفائها لحلفائها، بما في ذلك مساندتها بشار الأسد حتى اللحظة ما قبل الأخيرة. وثبات النهج مردّه بقاء السلطة الحاكمة نفسها كما يمثّله بقاء زعامة بوتين، في حين أن العلاقة الطيبة مع ترامب لا تغني عن التفكير فيما بعد ترامب، بما أنه سيغادر البيت الأبيض بموجب تقاليد الديموقراطية الأميركية، ولا ضمانة في أنّ خلفه سيستمر على السياسات ذاتها.

فيما يخص العلاقة بين روسيا وسوريا، لا شكّ في أن العديد من الاتفاقيات التي ربطت البلدين لها مفعول لم ينتهِ مع سقوط الأسد. فعلى الصعيد الاقتصادي لا تزال الحاجة إلى العلاقة مع روسيا مستمرة، وثمة مجالات واضحة مثل الحصول على القمح والنفط الروسيين. لكن هناك أيضاً مجالات مستقبلية قد يكون لموسكو حضور ملحوظ فيها، تحديداً إعادة الإعمار إذا استمر الوضع على ما هو، أي إذا استمر هذا الملف خارج اهتمام الغرب ورعايته.

 

والمستغرب أن استنكاف الغرب عن ملف إعادة الإعمار لا يلفت الانتباه، فرغم الدعم الخارجي الظاهر للسلطة الجديدة لم تكن هناك مبادرة لعقد مؤتمر مانحين خاص بإعادة إعمار سوريا. عاجلاً أم آجلاً ستظهر الفجوة الواسعة بين ما يُظهره الغرب على الصعيد الدبلوماسي وبين ما يقدّمه على الصعيد الاقتصادي، وبمجرد انحسار مؤشرات التفاؤل المتصلة بالانفتاح الدبلوماسي ستظهر الحاجة إلى بدائل اقتصادية تكون موسكو من ضمن خياراتها التقليدية.

قد يبدو غريباً القول إن دمشق، مع السلطة الجديدة، ليست أقرب إلى واشنطن من موسكو. ففيما تحت السطح ووراء المظاهر، لا تستطيع السلطة أن تكون على النموذج الغربي الذي يرضي الحزبين التقليديين المتنافسين على السلطة؛ لا تستطيع الاقتراب من مستوى الحريات والديموقراطية الموجود في الولايات المتحدة وغيرها من بلدان الغرب، رغم كل ما يُشاع عن تراجع منسوب الديموقراطية لصالح الموجة الشعبوية. يُضاف إلى ذلك أن سوريا ليست بالبلد الثري، كي تُغَضّ الأبصار عن عيوب نظامه السياسي كُرمى لمكاسب تُجنى من العلاقة الوطيدة معه.

بخلاف ما تبدو زيارة الشرع، بوصفها زيارة الضرورة في مواجهة منتقديها على خلفية المجازر التي ارتكبها الطيران الروسي في سوريا، فالضرورة تحكم حقاً، والظاهر منها عموميٌّ، أما ما هو أقل عمومية فلعله الأبلغ تأثيراً. قد لا يكون محبّباً صعودُ درج الكرملين، أو الذهاب إليه بطريق مغطّى بالثلوج، إلا أنه أضمن وأبقى من رشة عطر ترامب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث