نكبة اليمن.. بين البحر والنفط

محمد أبي سمراالجمعة 2026/01/30
Image-1769715572
أيد علي عبدالله صالح غزو صدام للكويت (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في روايته عن تقلّب أوضاع بلده وأحواله، يرى الباحث والخبير في الشوؤن اليمنية فارع المسلمي، أن اليمن كان في العصور القديمة، وظل نسبيًا حتى اكتشاف النفط في بلدان الخليج العربية، بلدًا بحريًا: وجهته البحر. وبلد هجرات بحرية، تجارية ودينية تبشيرية، وجهتها شرق آسيا وشرق أفريقيا والهند، وصولًا إلى أندونيسيا وماليزيا. فالسواحل اليمنية يبلغ طولها 2500 كلم: على البحر الأحمر غربًا، وعلى بحر العرب وخليج عدن والمحيط الهندي في الجنوب الشرقي. وبين القرنين (10- 13) كانت عدن أهم موانئ العالم، وظلت من أهم الموانئ العالمية في حقبة استعمار بريطانيا جنوب اليمن (1839- 1967).

وفي شهادات يمنيين جنوبيين كانت هجرات الحضارم البحرية، التجارية- الدينية، قبل اكتشاف النفط وحتى مطلع الخمسينيات، "نخبوية" وطويلة الأمد. وأحيانًا كان بعض المهاجرين يتوطنون في مهاجرهم، فلا يعودون إلى بلادهم. لذا ظل تأثير تلك الهجرات طفيفًا في تركيب اليمن الاجتماعي.

 

من مشايخ النسب إلى مشايخ المال

وتجمع شهادات ومصادر كثيرة على أن اكتشاف النفط الخليجي أحدث تغيّرًا جذريًا في طبيعة حياة اليمنيين، اجتماعهم وهجراتهم، بين الخمسينيات والتسعينيات من القرن العشرين. وهناك من يصف ذاك التغير بـ"ثورة صامتة" صنعتها هجرات اليمنيين الكثيفة، الموقتة والموسمية، للعمل في بلدان الخليج النفطية. وقد غيّرت تلك الهجرات طبيعة اليمن من بلد يدير وجهه نحو البحر، إلى بلد صار الداخل البري، النفطي والصحراوي، وجهته الغالبة، بعدما كان أهله يهاجرون بحرًا إلى جيبوتي، الصومال، أثيوبيا، إرتريا، وكينيا، في أفريقيا، وإلى أندونيسيا وماليزيا والهند في آسيا، فيخالطون أهل تلك البلدان. وأدى زواج مهاجرين من نسائها إلى شيء من تهجين عرقي في اليمن.

ومن ملامح "الثورة الصامتة" التي أحدثتها الهجرة اليمنية إلى بلدان الخليج، أنها شكلت قاعدة أساسية للصعود الاجتماعي الطبقي الواسع، وسرّعت بقوة في كسر البنى الاجتماعية التقليدية، وكانت مصدرًا لحيازة سلطة ونفوذ من خارج مراتب المجتمع التقليدي، وخارج مراتب إدارات الدولة، فظهر "مشايخ المال" بدل مشايخ الأنساب والسلالات.

واليوم هناك من يقول إن لا مستقبل لليمن، إذا لم يراجع اليمنيون، ونخبه تحديدًا، نظرتهم الجيوسياسية التاريخية إلى بلدهم، ويستدخلون فيها أنه بلد بحري. وإلا سوف تظل هذه النخب في حال من الضياع والتمزق والارتزاق، على نحو ما تعوّدت إبان عهد علي عبد الله صالح، الذي قطف سياسيًا ثمار ما أحدثته الهجرة الجديدة من تغيرات اجتماعية وثقافية، فأرسى نظامه وسلطته المديدة وثبّتهما على تعميق الشقاق بين الرئاسات القبلية، واستمالتها وكسب ولائها بالرشوة والمناصب.

 

كلمة من "صدّام الصغير" أفقرت اليمن

قبل اجتياح الجيش العراقي الكويتَ في العام 1990، كانت علاقات اليمن بدول الخليج العربية ممتازة: نحو مليون يمني مغتربين وعاملين فيها، معظمهم في السعودية. ووفق بعض الإحصاءات كان أولئك المهاجرون يحولون إلى بلادهم ما بين 2- 3 مليار دولار في السنة. أي نحو 30 - 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي اليمني. وتشير هذه الأرقام إلى أن اليمن كان من أكثر البلدان في العالم اعتمادًا على تحويلات المهاجرين. 

لكن الأرقام عينها تصير ضئيلة مقارنة مع تحويلات المهاجرين اللبنانيين إلى بلدهم، خصوصًا أن عدد سكان اليمن كان 4 أضعاف عدد سكان لبنان في التسعينات، ثم قفز قفزات هائلة، ليناهز اليوم 40 مليون نسمة. أما بعد انهياره المالي والاقتصادي، فالأرجح أن لبنان تصدر قائمة البلدان التي تعتمد على تحويلات المهاجرين. 

وفوق عائدات المهاجرين اليمنيين تلك، كانت مساعدات الكويت لليمن قد أحدثت منذ الستينات قفزة نوعية في نموه: أمدته بما مكّنه من إنشاء شبكات واسعة من المدارس والجامعات والمستوصفات الصحية، إضافة إلى الطاقة الكهربائية. ويقول يمنيون كثر إن الكويت قامت بعمل جبار في اليمن، إذ رفعته على كتفيها.

لكن بكلمة واحدة من الرئيس اليمني علي عبدالله صالح (1947- 2017)، المعزول من سدة الرئاسة في العام 2011، انهار ذلك كله بطرفة عين وكأنه لم يكن، وتفشى الفقر في اليمن. نعم لاحتلال الكويت، قال صالح، ثم صوّت مندوب اليمن في مجلس الأمن الدولي، بصفته ممثلًا للمجموعة العربية فيه، ضد قرار إدانة غزو عراق صدام حسين الكويت. هذا فيما كانت الدول العربية (عدا ليبيا، الأردن، السودان، ومنظمة التحرير الفلسطينية) ترفض الغزو الصدّامي، وتدينه. لكن اليمن هو من تلقى تبعات موقف رئيسه الكارثية، سريعًا ومباشرة وعلى المدى الطويل. ويذكر يمنيون جنوبيون أن وقوف علي عبدالله صالح إلى جانب صدام حسين كان مدار خلاف بين قادة الحزب الاشتراكي الجنوبي وصالح، رئيس الوحدة الاندماجية التي أُعلنت بين الشمال والجنوب قبل شهور من غزو العراق الكويت. وبينما قامت في صنعاء تظاهرت مؤيدة لموقف الرئيس صالح، قامت في عدن تظاهرات تشجب الغزو. 

 

وكثرت التأويلات التي حاولت تفسير موقف الرئيس اليمني المتهوّر:

- هناك من يقول إن صالح كانت لديه ميول بعثية سابقة. وقد يكون أيقظها في مخيلته عظامه على المثال الصدّامي، ليحكم يمن الوحدة الاندماجية. فدولة اليمن الجنوبي الشعبية الاشتراكية بحزبها الواحد، كانت مأزومة بعد الشقاق بين جناحين في الحزب الحاكم واحترابهما العاصف في العام 1986 (ألوف القتلى في 10 أيام). ثم فاقم أزمتها انهيار المنظومة السوفياتية (1989) التي كان اليمن الجنوبي يدور في فلكها. والأرجح أن تلك الأزمة كانت قد أدت إلى إسراع الجنوب في طلب الوحدة الاندماجية، كيفما اتفق وبأي ثمن، مع الشمال الذي كان يحكمه صالح على نحو شبه مستقر منذ العام 1978.

- هناك من يضيف إلى ذلك، الإغراء الذي قدمه صدّام حسين لعلي عبدالله صالح: تزويده بأموال طائلة ثمنًا لموقفه. وبالفعل تدفّقت على اليمن أموال عراقية بالدولارات الأميركية. ففي نحو العام 2000، وكان فارع المسلمي في العاشرة من عمره، عندما استدعاه وبعض أطفال، شيوخُ قبائل من أقاربهم لمساعدتهم في حمل محافظ جلدية معبأة بالدولارات. ونقل الأطفال المحافظ إلى بيوت المشايخ في قريتهم الجبلية النائية التي لم تكن تصلها السيارات في محافظة ذمار وسط اليمن الشمالي. 

- وهناك أخيرًا تأويل رمزي ساخر يقول إن وقوف من لقبه بعض اليمنيين "صدّام الصغير"، أي علي عبدالله صالح، إلى جانب صدام الكبير أو الأصيل، كان ثمنه شحنة من قارورات الويسكي التي كان صالح مغرمًا بها في جلساته مع خواصه وحاشيته. ويُروى أنه قال مرة في واحدة من تلك الجلسات: هيا آتوني بحسّابة (آلة حاسبة) لأحتسب كم للكويت علينا من أموال مساعدات، ثم أحضروا السفير الكويتي لأسدد له مستحقات بلده. وحسب روايات وثائق "ويكيليكس" أن صالح -في حديثه مع جون برنان، مستشار الرئيس أوباما لمحاربة الإرهاب، الذي فاتحه في موضوع تهريب السلاح والمخدرات والويسكي من جيبوتي إلى اليمن- قال لبرنان ممازحًا إنه لا يتوقع أن تعارض أميركا تهريب الويسكي وتسويقها. ويقال أيضًا إن صالح كان يدير شبكة واسعة لتهريب الخمور، عندما كان بعدُ ضابطًا مقدّمًا في الجيش اليمني الشمالي.

 

النكبة اليمنية واللبنانية بعدها

حلَّ غزو صدام حسين وموقف "صدام الصغير" منه كلعنةٍ على البلاد اليمنية، فنكبتها نكبة قاسية: نحو مليون يمني -كان معظمهم في السعودية- أُعيدوا فجأة من بلدان الخليج إلى بلدهم خاليي الوفاض، بعدما كانوا يعملون هناك ويعيلون عائلاتهم وأهلهم في اليمن. شبكة المدارس التي أنشأتها الكويت وموّلتها، تراجع التعليم فيها وتردّى. وهذا ما أصاب شبكة المستوصفات الصحية الكويتية التمويل أيضًا. ثم توقفت شبكات الإنارة بالطاقة الكهربائية في قرى يمنية نائية كثيرة. 

أليس في هذا ما يذكّر بما حلّ بلبنان منذ العام 2019، قبله بسنوات قليلة وطوال عهد الرئيس ميشال عون (1916- 2022) وحتى اليوم؟ وذلك بعد تحالفِ أو تبعية عون المستميتة لـ"حزب الله" منذ العام 2006، كي يوصله إلى منصب رئاسة الجمهورية، فوصلَ في مقابل أن يسلم عون الحزبَ إياه قرار الدولة اللبنانية، ليرسم سياستها الخارجية، العربية والدولية، على نحوٍ يخدم مشاريع السلطة الإيرانية، ويناهض سياسات ومواقف ومصالح بلدان الخليج العربية، وخصوصًا السعودية. لكن ذلك كله لم يؤدِ إلا إلى نكبة لبنان واليمن، وفاقم نكبة إيران نفسها بنظامها. 

ويكفي أن نذكر بعض المظاهر الجزئية والتفصيلية التي عرفها اليمن، لنعلم أي نكبة أصابت اليمنيين بعد العام 1990: نحو مليون أسرة معظمها في اليمن الشمالي فقدت مصدر دخلها الذي كان يصلها في تحويلات مهاجريها في الخليج. وبعض هؤلاء المهاجرين العائدين أجبرهم نفاد مدّخراتهم على بيع بيوتهم وأرضهم لإنفاق ثمنها على ضرورات حياتهم. ومنهم من فتحوا بقالات للاعتياش منها، لكنها سرعان ما أفلست. وهكذا انتشرت البطالة، انهار الاستهلاك، وتوقفت حركة البناء التي كانت ناشطة اعتمادًا على تحويلات المهاجرين اليمنيين، وتراجعت قيمة العملة الوطنية في البلاد، وتفشى الفقر فيها على نطاق واسع. وهذا إلى جانب انبعاث النعرات القبلية، انتشار السلاح والإسلام السلفي والإخواني. وحتى الأموال التي تلقاها صالح من صدام حسين، ورشى بشطر ضئيل منها بعض مشايخ القبائل، لم يجد هؤلاء المشايخ سبيلًا إلى استثمارها في أعمال منتجة، فأُهدرت وذهبت سُدىً.

 

تمردا الشمال والجنوب

ساهم هذا كله في نشوب "حرب الوحدة" بين الشمال والجنوب في العام 1994. وربما وجد الرئيس صالح ونخبته الشمالية في تلك الحرب مخرجًا أو تصريفًا لأزمة النظام الخانقة. فهاجم الجيشُ الشمالي الجنوبَ، مدعومًا بحزب "الإصلاح الإخواني". هذا فيما كان الجنوبُ وحزبه الاشتراكي، غارقين في أزمة كبرى، بعد حرب "رفاق الاشتراكية" في 1986. وبدت "حرب الوحدة" تلك وكأنها غزو شمالي للجنوب الذي استُبيح، وجُرِّفت نخبه وشُرّدت، وصودرت أملاك كثيرة فيه، وصُرف موظفوه من وظائفهم الحكومية. لذا نشأ في العام 2007 ما سُمّي "الحراك الجنوبي" مطالبًا بحقوق أهل الجنوب.  

ومع التزايد الكبير والقفزات المتتالية في عدد الولادات والسكان وانهيار التعليم، نشأ جيل يمني كامل في الأمّية، بلا خدمات صحية ولا كهرباء، وعانى أطفال كثيرون من سوء التغذية، وخصوصًا في المناطق الريفية الشمالية التي كانت تعتمد على الزراعة وتحويلات المهاجرين مصدرًا أساسيًا لمعيشة أهلها.

وفي مقابل تفشي الفقر والأمية، تفشت ظاهرتان في اليمن: نشأت في الشمال والجنوب سلفية دينية سنية منغلقة. وفي الشمال نشأت في مواجهتها سلفية مذهبية زيدية، دعوية أو إحيائية تصدرها الشيخ بدر الدين الحوثي الزيدي. لكن مقتل نجله حسين الحوثي، سرعان ما حول الدعوة المذهبية الإحيائية حركةً متمردة مسلحة، تصدرتها في صعدة، حيث كرسي المذهب الزيدي، عصبية سلالية حوثية، جبلية ومحاربة. وبدءًا بالعام 2004 وحتى العام 2010، خاض نظام علي عبدالله صالح وجيشه حربًا متقطعة في 6 جولات على الحركة الحوثية المتمردة. وكانت حصيلتها، إلى ألوف القتلى والجرحى، مئات ألوف النازحين. 

وبدل أن تضعِف الحربُ الحركةَ الحوثية السلالية، ضاعفت قوتها وأعداد أنصارها الزيديين، فأنشأت ميليشيا عسكرية منظمة سمتها "أنصار الله". وسرعان ما بادرت إيران وحرسها الثوري إلى دعم الحركة الحوثية، تنظيمها وتسليحها وتصليب عقيدتها المذهبية، استكمالًا للمبدأ الخميني في تصدير الثورة. وكان من الطبيعي أن يتولى ذلك "حزب الله" اللبناني، درة تاج الثورة الإسلامية الإيرانية، وفاتحة نشاطها الخارجي برعاية نظام الأسد في سوريا، منذ العام 1982. حتى ليبدو أن الرحم اللبنانية التي ولد منها "حزب الله" في الثمانينيات -أي الحروب الأهلية والإقليمية، الشتات، بل التذرر الاجتماعي الذي احدثته موجات التهجير والاقتلاع الكثيرة- شبيهة بالرحم التي ولدت منها حركة "أنصار الله" الحوثية في اليمن.

وظل نظام علي عبدالله صالح يدير أزمات اليمن المتراكمة والشديدة التعقيد حتى انفجرت أخيرًا في العام 2011 في سياق ما سمّي الربيع العربي. وقد أدى انفجارها إلى تصدع اليمن، تفككه وتمزقه، وتحول حروبه الداخلية إلى إقليمية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث