الولايات المتحدة ليست فقط مالكاً لأكبر احتياطي عقاري أو أوسع شبكة مالية، بل هي الدولة التي نجحت في تصنيع سلطة المستهلك العالمي وتثبيتها. هذه السلطة لا تعني فقط الشراء المحلي، بل التحكم في الاتجاهات العالمية لما يعتبر مرغوباً، صحياً، عصرياً، أو حتى ضرورياً. ويمكن الجزم بأن الولايات المتحدة هي القوة الأبرز في تشكيل المزاج العالمي، فهي الأمة الأشد تأثيراً على أسلوب الحياة، واختيارات الغذاء، والملابس، ومعايير الصحة والجمال. كل هذه وغيرها تنتشر في الولايات المتحدة ثم تعمم على العالم كله بعد حين. وعليه، فإن مزاج المستهلك الأميركي ينعكس مباشرة على اقتصادات دول أخرى، معظمها يسعى لإرضاء مزاجه أصلاً وتقليده. فلو حدث أن أصدرت جهات علمية تحذيراً للأميركيين من استهلاك البن أو الأرز بسبب مخاطر صحية، فإن هذا التحذير قد يؤدي إلى انهيارات في أسواق البلدان المنتجة. هذا فضلاً عن أن المشاريع العقارية الأميركية أو الاستثمارات الجديدة والحديثة، قابلة لأن تستغل خارجياً وليس داخلياً فقط، بسبب الرغبة الكونية في استنساخ نمط الحياة الأميركي.
فرادة الاقتصاد الأميركي لا تقتصر على هيمنته المالية ودوره كمركز عالمي للتسويات، بل تمتد أيضاً إلى قدرته على صناعة الطلب الاستهلاكي نفسه. فحين تنتشر حمى تربية الحيوانات الأليفة في الولايات المتحدة، فإنها لا تنتقل إلى العالم بوصفها سلوكاً ثقافياً فقط، بل بوصفها منظومة استهلاكية كاملة جرى تصنيعها مسبقاً داخل السوق الأميركي: أطعمة متخصصة، وألبسة، ووسائد، وأدوات عناية، وأدوية، وسلاسل خدمات. وحين تتبنى دول أخرى هذه الحمى لاحقاً، فإن الجزء الأكبر من القيمة المضافة يتحول فوراً إلى الشركات الأميركية التي سبقت الجميع في تصميم منتجات جاهزة للتصدير. هكذا تتحول موجة استهلاكية محلية إلى رافعة ربح عالمية، وتصبح أنماط الحياة الأميركية نفسها أدوات هيمنة اقتصادية ناعمة، لا تمتلك الدول الأخرى القدرة على مقاومتها أو اللحاق بها بالسرعة نفسها.
والخلاصة، لا يمكن الظن أن الثروة الأميركية مجرد عملية مالية أو عقارية، بل هي منظومة اقتصادية-رمزية أيضاً. الأرض والائتمان يصنعان رأس المال، وسلطة المستهلك تجعل هذا الرأسمال أكثر قيمة، وأكثر قابلية للتوسع دولياً. بعبارة أخرى، من يملك القدرة على تحديد ما هو مرغوب وما هو رخيص هو المستهلك الأميركي، أكثر من أي دولة أو سلطة مالية أخرى.
إبراز هذا الجانب بالغ الأهمية اليوم، في ظل ملامح الأزمة السياسية العالمية، والتي تترك أثرها الواضح على الاقتصاد، ذلك أن هذه الأزمة أدت في ما أدت إليه إلى تذبذب مزاج المستهلك الأميركي، بسبب بعض السياسات المستعجلة والأزمات غير القابلة للرد، ما أنتج تغيراً ملحوظاً في مزاج المستهلك، من التبذير المتكرر إلى الحذر في الإنفاق. هذا التحوّل يعني أن الكثير من الصناعات الخارجية، وخصوصاً الصينية، ستواجه صعوبات كبيرة، إذ أن شطراً أساسياً من منتجاتها ينتمي إلى النوع الاستهلاكي اليومي أو "سلع يوم الأحد" التي تعتمد على الإنفاق الترفيهي، والناجم في أساسه عن زيادة أوقات التبطل والراحة.
حال الحذر التي يعيشها المستهلك الأميركي بسبب التوترات العالمية، قد تعيد توجيه شرائه نحو الشركات المحلية الكبرى مثل كوستكو وأمازون، التي توفر السلع بأسعار منافسة وكفاءة توزيع عالية. بالمقابل، فإن المنتجات الفاخرة أو المتوسطة السعر قد تشهد تراجعاً في الطلب. ذلك أن الاقتصاد العالمي مبني في جزء أساسي من تطلعه للاستقرار والنمو على افتراض استقرار شهية المستهلك الأميركي. وأي تحول في هذه الشهية، نقصاً أو تبذيراً، يترك انعكاسات على اقتصادات الدول الكبرى، لا يمكننا تجاهل أثره. فجزء راجح من الصناعات الصينية، على سبيل المثال، تعتمد على الطلب الأميركي الواسع على منتجاتها اليومية، وأي تحوط أو حذر في مزاج المستهلك الأميركي سيعرض هذه الصناعات لضغوط كبيرة، ما قد يؤدي إلى أزمات صناعية واسعة. كذلك الأمر بالنسبة لأوروبا التي تمول شهية المستهلك الأميركي من فوق، على عكس الصين التي تمولها من تحت، ما يعني أن الاعتماد الأوروبي على سمعة منتجات فاخرة قد يجعل الاقتصاد الأوروبي هشاً أمام أي تراجع في الإنفاق الأميركي على السلع الغالية، ما يؤدي إلى ضغط مزدوج على الصناعة الأوروبية: انخفاض الطلب على الجودة المرتفعة والرخص النسبي للسلع الأميركية المنافسة.
هكذا، فإن مزاج المستهلك الأميركي لا يشكّل قوة اقتصادية فقط عند التضخم في الإنفاق، بل يمتلك القدرة على توجيه أو تعطيل الصناعات العالمية بالكامل. وهذا يوضح مرة أخرى أن الولايات المتحدة، عبر هيمنة المستهلك ونمط الحياة، ليست مجرد قوة مالية أو عقارية فقط، بل تؤثر على نحوٍ مباشر على ديناميكيات السوق العالمية، من الصين إلى أوروبا.
وربما يجدر بنا في هذا المقالة توضيح نقطة أخيرة كانت محل أخذ ورد وما زالت. وأعني بهذه النقطة الضجة التي أثيرت حول تيك توك، بوصفه منصة تقنية صينية. فصعود تيكتوك والأنماط الاستهلاكية الآسيوية من قبل، ثبت سلطة المستهلك الأميركي ولم يقوضها. تيكتوك لا تستطيع تحقيق السطوة والسلطة إلا حين يدافع عنها المستهلك الأميركي.
هذا يجعلنا نجزم بأن الهيمنة الجمالية والذوقية تسبق وتؤسس للهيمنة الاقتصادية. وبالتالي فإن الطعام الأسيوي أو الأفريقي لا يغزو العالم بخصائصه "الحادة والمتطرفة"، بل يمر عبر عملية تلطيف وتهجين أميركية، والحال فإن العالم لا يأكل طعاما صينياً، بل "النسخة الأميركية" من الطعام الصيني. ذلك أن الأميركي لا يملك ترف التعرف على الغريب والتعود عليه، بل يجبر الغريب على التشبه به. لهذا يمكن القول إن لا شيء يمر إلى العالم إلا عبر المصفاة الأميركية.
لكنه من الناحية الأخرى، أي الأميركي، يصدر للعالم ما هو متطرف وحاد، وجديد كلياً، فالهاتف الذكي هو تطرف تقني، لم يكن العالم يطلبه، لكن أميركا فرضته كضرورة وجودية، وهذا المنتج لم يكن تلبية لحاجة، بل اختراعاً لكائن بشري جديد يحتاج هذا الهاتف، ويحوله إلى جزء من يده وذاكرته. كذلك فإن الدعوة المحمومة لاستهلاك الخضار العضوية يمثل تطرفاً في التطلب. فقبل انتشار هذه الحمى كان العالم يأكل ببساطة، من دون الخضوع لمعايير أخلاق استهلاكية جديدة تجعل نوعاً معينا من الخضار بمثابة صك غفران بيئي وصحي.
وربما يجدر بنا في هذا المجال تفكيك ظاهرة تحدث عنها الكثيرون وبنى عليها الكثيرون أوهاماً وآمالاً. ألا وهي ظاهرة تيك توك، التي أسرف العالم في الحديث عن كونها انتصاراً صينياً. والحق أن المنصة هي تقنية صينية، لكن السلطة المتولدة منها هي سلطة أميركية بامتياز. فتيك توك لا تكتسب شرعيتها السيادية إلا عندما يقرر المستهلك الأميركي أنها منصته المفضلة. دفاع المستهلك الأميركي عن المنصة هو الذي جعلها عصية على الحظر، وهو الذي جعل خوارزمياتها تعمل لتلبية الرغبة الأميركية. لكن الأوهام والآمال الكبرى هي ما جعلت البعض يعتقد أنها انتصار صيني، تماماً كما كان البعض يعتقد قبل عقود أن شركات مثل سوني وتوشيبا تهيمن على سوق الصناعات التقنية المتطورة. والحق إن هذا الادعاء كان تلفيقاً صارخاً. فلطالما كانت كمبيوترات توشيبا تعمل بمحركات وبرامج أميركية، ولطالما كانت تلفزيونات سوني تبث برامج ومسلسلات أميركية. والخلاصة، المستهلك يشتري التلفزيون مرة واحدة، لكنه يدفع كل شهر لنتفليكس، ليستطيع استعمال ما اشتراه.
