"ولي بين الضلوع دم ولحم هما الواهي الذي ثكل الشباب
ولو خلقت قلوب من حديد لما حملت كما حمل العذاب
ولاي نبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحاب"
(أحمد شوقي)
المشهد الأول: حين يُختزل الانتصار في البقاء
يقدّم الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين مفهوم الحياة العارية، بوصفه الحالة التي تُفصل فيها الحياة البشرية عن شكلها السياسي، فتُختزل إلى وجودٍ بيولوجي محض، يُسمَح له بالاستمرار من دون أن يُعترَف له بحقوق الحياة الكاملة. في هذا الإطار، لا يُقتل الإنسان بالضرورة، بل يُوضَع في منطقة رمادية بين الحياة والموت، حيث يصبح البقاء ذاته مشروطًا ومُنظَّمًا. ولا يعني ذلك غياب القانون، بل حضوره في صورة مُعلَّقة بشكل قانون يعمل بالاستثناء لا بالقاعدة.
من هذا المنظور، لا يعود مشهد الصبية الفلسطينية في غزة، التي تفرح بالنصر بابتسامة مختصرة بعد حصولها على طبق من الأرز لعائلتها، تفصيلًا إنسانيًا عابرًا، بل انكشافًا فلسفيًا مكثفًا لحالة إنسانية شديدة الأهمية. فالفرح هنا لا يصدر عن تحرر سياسي، ولا عن استعادة حق وطني، بل عن تأجيل الموت. وحين يصبح تأجيل الموت سببًا كافيًا للفرح، نكون أمام اختزال كامل لمعنى الانتصار، واختزال موازٍ لمعنى الحياة نفسها.
في تلك اللحظة، لا يعود الانتصار سياسيًا ولا أخلاقيًا، بل بيولوجيًا صرفًا. هو هنا لا يعني استعادة أرض، ولا كرامة، ولا أفقًا مستقبليًا، بل الاستمرار بالحياة، أو بعدم الموت، يومًا إضافيًا داخل شروط مفروضة. هنا تتحقق أطروحة أغامبين بأقصى وضوح حين تُفصل الحياة عن شكلها السياسي، فيُعاد تعريف النجاح بوصفه الاستمرار البيولوجي فقط. الطعام، الذي يُفترض أن يكون عنصرًا يوميًا في نسيج الحياة الاجتماعية، يتحوّل إلى حدث سيادي، إلى استثناء يُمنَح لا حق يُفترض.
يشرح أغامبين أن السيادة أو السلطة الحديثة لا تعمل فقط عبر القتل المباشر، بل عبر إنتاج حالات استثناء دائمة يصبح فيها الاستثناء هو القاعدة. السلطة لا تُظهر قدرتها فقط على إنهاء الحياة، بل، وهذا الأهم، على تنظيم حدود وقواعد البقاء على قيد الحياة. أي إبقاء الحياة عند حدّها الأدنى، من دون السماح لها بأن تتحول إلى حياة سياسية كاملة. غزة، بهذا المعنى، ليست مجرد فضاء محاصر، بل فضاء مُقنَّن للاستثناء، يُسمَح فيها بالحياة بحدّها الأدنى، ويُمنَع عنها كل ما يجعلها حياة بالمعنى الكامل، من أمن غذائي مستقر، إلى نظام صحي وتعليمي، إلى أفق سياسي قابل للتحقق.
غير أن هذا التحليل لا يكتمل من دون إدراجه في منطق صهيوني أوسع يعيد تنظيم العلاقة بين السيادة والحياة. فالصهيونية، بوصفها مشروع دولة إثنية حديثة، لم تكتفِ بإقامة سيطرة عسكرية أو قانونية، بل سعت إلى إعادة تعريف من يستحق الحياة السياسية ومن تُدار حياته بوصفها مادة بيولوجية. الفلسطيني، في هذا الأفق، لا يُختزل فقط كخصم سياسي، بل يُدرَج ضمن فئة تُدار حياتها عند عتبة البقاء، أي ما يكفي ليظل الجسد حيًا، من دون أن يمتلك شروط الفعل السياسي أو أفق المطالبة.
يتجلّى هذا المنطق في الإدارة الحيوية للحصار. الغذاء، الماء، الكهرباء، الدواء، كلها لا تُدار بوصفها حقوقًا عامة، بل بوصفها موارد سيادية تُقاس وتُحدَّد وتُجزَّأ. ما يُمنَح منها يُمنَح استثناءً، وما يُمنَع منها يُمنَع باسم الأمن حسب المعايير الصهيونية. في هذا الاقتصاد السياسي للحياة، لا تُلغى الحياة، بل تُحسب بأن يُحدَّد الحد الأدنى الذي يسمح باستمرار الجسد من دون أن يسمح بتشكّل حياة اجتماعية مستقرة. وهنا يتضح معنى "تنظيم البقاء" أي إبقاء السكان على قيد الحياة بما يكفي لتجنّب الإدانة الشاملة، من دون تمكينهم بما يكفي للخروج من فضاء الاعتماد على المنح غير المستقرة.
لكن الحصار لا يعمل بالقوة المادية وحدها، بل إنه يعمل أيضًا عبر إعادة برمجة المعايير النفسية والرمزية. فحين يصبح الحصول على الطعام حدثًا استثنائيًا، وحين تُقاس النجاة بيوم إضافي، يُعاد تعريف معنى النجاح ذاته. الانتصار لا يعود تحررًا أو استعادة لحقوق، بل تفاديًا للأسوأ. هنا ينجح الاستثناء حين يجعل النجاة كافية، ويجعل المطالبة بما هو أكثر ترفًا أخلاقيًا.
في لغة أغامبين، هذه ليست حياة تُعاش، بل حياة مُستبقاة. حياة يُسمَح لها أن تستمر ما دامت لا تطالب بما يتجاوز الجسد، أي لا مطالبة بالعدالة، ولا بالمستقبل، ولا بالسياسة. ولهذا فإن اختزال الانتصار في طبق أرز ليس نتيجة عرضية للجوع، بل بنية سيادية، طريقة لإدارة البشر بوصفهم أحياء فقط، لا مواطنين، ولا ذواتًا أخلاقية. في هذا المستوى، يُسلَخ الإنسان من صفته السياسية لا عبر نزع اسمه أو صوته فقط، بل عبر تجفيف شروط المطالبة ذاتها.
من هنا يمكن فهم كيف يُسهم هذا الاختزال في تسويغ القتل والتهجير. فحين تُدار الحياة بوصفها حياةً عارية، يصبح قتلها أو نقلها أو تعطيلها مسألة تقنية في إدارة المخاطر، لا جريمة أخلاقية. الاستثناء يخلق لغة بديلة تُحوِّل العنف إلى إجراء إداري تحت شعار "أضرار جانبية" و "ضرورات أمنية" و"مناطق مغلقة". ليست اللغة هنا تفصيلًا، بل إنها الأداة التي تُعيد توصيف الفعل بحيث يُنزَع عنه وزنه الأخلاقي، ويُدمَج في منطق العقلانية الأمنية.
يتيح الجمع بين ميشيل فوكو وجورجيو أغامبين وحنّة أرندت بناء إطار تحليلي متدرّج يفسّر الحصار بوصفه نمط حكم لا مجرد حالة طوارئ. فوكو يقدّم المستوى الأول بكيف تُدار الحياة. في تحليله للسلطة الحيوية، تتحوّل السلطة الحديثة من حق السيادة في القتل، إلى إدارة السكان عبر أدوات تبدو تقنية ومحايدة مثل الصحة، الغذاء، الإحصاء، والحد الأدنى المقبول للعيش. غير أن فوكو يظلّ في أفق تُدار فيه الحياة بهدف تحسينها أو تعظيم إنتاجيتها داخل النظام.
هنا يتقدّم أغامبين ليكشف الحدّ الأقصى لهذا المنطق. فالسلطة الحيوية لا تبلغ ذروتها في تحسين الحياة، بل في تعليق السياسة عبر الاستثناء. في فضاءات الاستثناء، تُدار الحياة لا بوصفها موردًا إنتاجيًا، بل بوصفها حياة عارية تُبقى عند عتبة البقاء. الاستثناء ليس انحرافًا عن النظام، بل أداته الأكثر فاعلية، وهو ما يسمح للسلطة بأن تجمع بين السماح والقسوة، بين الرحمة الظاهرية والحرمان البنيوي.
أما أرندت فتضيف البعد الوجودي الحاسم عبر مفهوم فقدان العالم. الكارثة، عندها، لا تكمن فقط في الجوع أو القتل، بل في حرمان البشر من فضاء الظهور والفعل والكلام. الحياة التي تُفصل عن العالم العام، حتى ولو بقيت كيانًا بيولوجيًا، فتصبح حياة بلا معنى سياسي. هنا تتضح النتيجة النهائية بأن بشراً أحياء، لكن منزوعي الوجود المعنوي، محرومين من أن يكونوا فاعلين لا مجرد ناجين.
في سياق الحصار، تتكامل هذه المستويات الثلاثة. فتُدار الحياة حسب فوكو، وتُعلَّق السياسة حسب أغامبين، ويُسلب البشر عالمهم حسب أرندت. اختزال الانتصار في طبق أرز هو العلامة اليومية على اكتمال هذه المنظومة.
ومع ذلك، يبقى في المشهد توتر لا يمكن للسلطة إلغاؤه بالكامل. فالفرحة، رغم اختزالها، تبدو حقيقية. إنها ليست قبولًا بالوضع، بل غريزة حياة تظهر حين تُدفع الحياة إلى أقصى حدودها. غير أن خطورتها تكمن في إمكانية تحويلها إلى سردية تعزية وتعويض، أي نوع من الصمود الذي يُحتفى به بدل أن يُقرأ بوصفه اتهامًا. فحين يعطى مبدأ النجاة صفة رومنسية، يتحول البقاء إلى بديل عن السياسة.
خلاصة القول إن الحصار، في منطق الاستثناء الصهيوني، ليس حدثًا طارئًا بل تقنية سيادة تُنتج فضاءً تُدار فيه الحياة عند حدّها الأدنى. وفي هذا الفضاء، يصبح الانتصار اختزالًا، والفرح اقتصادًا، والنجاة سياسة. سؤال أغامبين، الذي يفرضه هذا الواقع، ليس كيف نُحسّن شروط البقاء داخل الاستثناء، بل كيف نُنهي الاستثناء بإعادة الحياة إلى شكلها السياسي، بحيث لا يعود الانتصار مجرد استمرار مؤقت، بل استعادة للحق والمعنى.
المشهد الثاني: الخيمة التي صارت قاعة دراسة- مقاومة الحصار بالأفق
في مشهدٍ آخر من غزة، تقف طفلة فلسطينية داخل خيمةٍ نُصبت على عجل، تتحدّث عن مستقبلها في التعليم. الخيمة، التي تُفترض فيها وقتية اللجوء وهشاشة المأوى، تحوّلت، ولو مؤقتًا، إلى قاعة دراسة. لا لوح تكتب عليه المعلمة بالطبشور، ولا مقاعد منتظمة بل حصير أو أكياس قماش عليها شعارات المنظمات المانحة، ولا كتب كافية، لكن الكلمات التي تنطق بها الطفلة تفعل ما لا تفعله قاعات التدريس العادية التي يتمتع بها آخرون، فهي تُعيد فتح الأفق رغم الحصار وحصر الحياة في طبق الأرز. تقول إنها تريد أن تُكمل تعليمها، أن تصبح شيئًا في المستقبل. لا تتحدّث عن الطعام ولا عن النجاة الليلة، بل عن غدٍ لم يُلغَ بعد.
إذا كان مشهد طبق الأرز يُجسِّد منطق إدارة البقاء، فإن هذا المشهد يُجسِّد مقاومة من نوعٍ آخر، هي مقاومة الاستثناء بإعادة الزمن إلى الحياة. التعليم هنا ليس نشاطًا تربويًا فحسب، بل فعل سياسي بالمعنى العميق، فيه رفض اختزال الحياة إلى حاضرٍ مُعلّق، وإصرار على امتلاك مستقبل. في لغة أغامبين، يُمثّل هذا المشهد محاولةً لإعادة شكل الحياة إلى حياةٍ دُفعت قسرًا نحو العُري البيولوجي. فالاستثناء يعمل، كما رأينا، على تعطيل السياسة عبر تعطيل الزمن بإبقاء الحياة في الآن الدائم، حيث لا معنى للتخطيط ولا إمكان للبداية. أما التعليم، فهو إعادة إدخال الاستمرارية والبدء إلى الوجود المحاصَر. إنه يقول لسنا أجسادًا تُدار عند عتبة البقاء فقط، بل نحن ذواتٌ تمتدّ في الزمن، وتطالب بحقّ أن تُفكّر وتتعلم وتختار. بهذا المعنى، تتحوّل الخيمة من رمزٍ للهشاشة إلى فضاء ظهور، ولو هشًّا، تُستعاد فيه السياسة من داخل الحرمان.
تلتقي هذه اللحظة مباشرة مع حنّة أرندت. فالطفلة، وهي تتحدّث عن التعليم، لا تطلب مجرد مهارة مستقبلية، بل تطلب الحق في الظهور والفعل داخل عالم مشترك. التعليم هنا هو الاسم العملي لإعادة بناء العالم حين يُفتقد. عالمٌ تُعاد فيه الروابط بين الأجيال، وتُستعاد فيه القدرة على البدء. أرندت كانت ترى أن أخطر ما في نزع الحقوق ليس الجوع وحده، بل قطع السلسلة بين الماضي والمستقبل. والخيمة-القاعة هي محاولة يائسة للمقاومة، لكن حقيقية لإعادة وصل هذه السلسلة.
أما في ضوء فوكو، فيمكن قراءة المشهد بوصفه تمرّدًا صامتًا على اقتصاد الحدّ الأدنى. فالسلطة الحيوية تقبل ببقاء الجسد، لكنها لا تحتاج إلى عقلٍ يُفكّر في الغد. التعليم يخرق هذا الترتيب لكونه يُنتج فائضًا لا يمكن قياسه بالسعرات الحرارية أو بساعات الكهرباء. إنه يطالب بما لا يُحسب، وبما لا يدخل في جداول السماح والمنع. لذلك يُشكّل التعليم، في سياق الحصار، تهديدًا رمزيًا لمنطق الإدارة لأنه يطالب بالحياة بما هي أكثر من بقاء على قيد الحياة.
وإذا قارنا المشهدين، طبق الأرز، من جهة، والخيمة-القاعة، من جهة أخرى، نرى توترًا دقيقًا لا تناقضًا. فالأول يُظهر كيف تُختزل الحياة حين يُحاصَر أفقها، والثاني يُظهر كيف تُقاوِم الحياة هذا الاختزال بالأمل المُنظَّم لا بالرغبة المجردة. الأمل هنا ليس شعورًا نفسيًا، بل مشروعًا زمنيًا، هو الإصرار على أن للحياة شكلًا يمتدّ إلى ما بعد الطوارئ، وأن للإنسان قيمة لا تُستنفد في نجاته البيولوجية.
غير أن هذا الأمل لا ينبغي تحويله إلى رواية عاطفية. فالخيمة تظلّ خيمة، والهشاشة قائمة، والخطر مستمر. لكن قوة المشهد لا تكمن في إنكاره للواقع، بل في فضحه. فإذا كانت الخيمة قادرة على أن تصبح قاعة دراسة، فإن ما يمنع الحياة الكاملة ليس العجز الذاتي، بل نظام الاستثناء الذي يصرّ على إبقاء الحياة من دون عالم. بهذا المعنى، لا تُقدَّم الطفلة بوصفها "أيقونة صمود"، بل بوصفها حجّة سياسية ضد منطق الحصار.
هكذا يكتمل المعنى بين المشهدين. طبق الأرز يُظهر الحدّ الذي تُدفَع إليه الحياة حين تُفصل عن السياسة، والخيمة- القاعة تُظهر الإمكان الذي ينفتح حين تُحاوِل الحياة استعادة شكلها. بين البقاء والأفق، بين النجاة والتعليم، يتحدّد السؤال الذي يخترق النص كله، وهو ليس كيف يعيش الإنسان يومًا إضافيًا، بل كيف يستعيد حقّه في مستقبلٍ قابل للتخيّل. فحين يُعاد المستقبل إلى الحياة، يتصدّع الاستثناء، ولو ببطء.
