العولمة بين الربح والعبء: أميركا والصين نموذجًا

ليلى نقولاالأربعاء 2026/01/28
Image-1769538256
تمكَنت الصين من توظيف قواعد التجارة الحرَة لصالحها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ نهاية الحرب الباردة تبنَّت الولايات المتَّحدة ومعظم القوى الغربيَّة نموذجًا للعولمة النيوليبراليَّة، يقوم على تحرير التجارة وتشجيع تدفُّقات رأس المال ودمج الاقتصادات الناشئة في السوق العالميَّة. بدا هذا الخيار مربحًا للولايات المتَّحدة الأميركيَّة على عدَّة مستويات:

أ- "دولرة" العالم ضمنت الطلب على سندات الخزانة الأميركيَّة وخفَّضت تكلفة الاقتراض للحكومة.

ب- الشركات عبر الوطنيَّة الأميركيَّة نقلت سلاسل القيمة إلى شرق آسيا وأميركا اللاتينيَّة، محقِّقة أرباحًا كبيرة وأسهمت في تضخُّم سوق الأوراق الماليَّة.

ج- المؤسَّسات الدوليَّة (منظَّمة التجارة العالميَّة، صندوق النقد، البنك الدولي) أصبحت أدوات لترسيخ قواعد الملكيَّة الفكريَّة وخفض الرسوم الجمركيَّة، بما يسهِّل استثمارات الأميركيين في الخارج.

 

بروز الصدمات 

أتاحت هذه المعادلة للطبقة الاستهلاكيَّة الأميركيَّة الاستفادة من واردات زهيدة الثمن، ورسَّخت تفوُّق قطاعي الخدمات والابتكار. إلَّا أنَّ الانفتاح ذاته عجَّل بما سُمِّي "صدمة الصين"، حيث أظهرت الدراسات أنَّ الصادرات الصينيَّة منخفضة الكلفة ساهمت في إغلاق أو تقليص مصانع أميركيَّة وتراجع متوسِّط أجر العامل الصناعي.

إلى جانب المنافسة الصينية، مثّلت موجات الهجرة واللجوء عاملًا آخر في إعادة تقييم العولمة بالنسبة للأميركيين. تشير البيانات الرسمية في كانون الثاني/ يناير 2025، أن السكان المولودين في الخارج شكّلوا نسبة 15.8% من إجمالي سكان الولايات المتحدة، وبلغ عددهم حوالى 53.3 مليون نسمة، وفقًا لدراسة لمركز دراسات الهجرة، وهو أعلى مستوى تاريخيًا، مما فجّر جدلًا حول تأثير الهجرة في الأجور، وعلى الأمن والثقافة والهوية الأميركية.

استغلَّ الخطاب الشعبوي اليميني هذا الربط بين "انفتاح الحدود" وفقدان الوظائف و"تهديد الهويَّة"، مؤكِّدًا أنَّ مصالح الدول لا تتعلَّق فقط بالمكاسب الماديَّة، بل أيضًا بالتماسك الاجتماعي والثقافي.

 

الصين والاستخدام التكتيكي للعولمة

في المقابل، بدت الصين كمنتج لقواعد جديدة، حيث تميّزت بـ"الاستخدام التكتيكي" للعولمة. تُعَدُّ تجربة الصين مع العولمة حالة فريدة لكيفيَّة تمكُّن دولة نامية من استغلال الفرص التي يتيحها الاندماج في الاقتصاد العالمي لتحقيق نموٍّ غير مسبوق وتحوُّل جيوسياسي كبير.

شكَّل انضمام الصين إلى منظَّمة التجارة العالميَّة نقطة تحوُّل كبيرة، حيث أزيلت الحواجز الجمركيَّة على صادراتها، فتحوَّلت إلى "مصنع العالم"، وتعمَّق اندماج الشركات الصينيَّة في سلاسل التوريد العالميَّة. كذلك، استخدمت الصين "فترة السماح" وحجم السوق المحلِّي للتفاوض على شروط مؤاتية لها، ثمَّ استغلَّت القواعد الداخليَّة لحماية صناعاتها الناشئة.

في النتيجة، أصبحت الشركات الأميركيَّة والأوروبيَّة معتمدة بشكل كبير على السوق الصينيَّة والإنتاج الصيني، ممَّا خلق قيدًا هيكليًّا على قدرة الولايات المتَّحدة على مواجهة الصين. وكانت الصين من أكثر الدول جاذبيَّة للاستثمار الأجنبي المباشر. ومع توسُّع صناعتها، احتاجت الصين إلى موارد طبيعيَّة ضخمة، فطوَّرت علاقات تجاريَّة واستثماريَّة واسعة مع دول العالم الثالث.

لاحقًا، تمكَّنت الصين من توظيف قواعد التجارة الحرَّة لصالحها، حيث استخدمت آليات حماية صناعيَّة غير جمركيَّة (إعانات، نقل إجباري للتكنولوجيا) مع إبقاء أسواق الغرب مفتوحة أمام صادراتها. كذلك، استثمرت فوائضها التجاريَّة في سندات الخزانة الأميركيَّة، مكتسبة نفوذًا على أكبر سوق ماليَّة في العالم.

طرح نجاح النموذج الصيني (دولة قويَّة + اقتصاد سوق) داخل مؤسَّسة ليبراليَّة مثل منظَّمة التجارة العالميَّة سؤالًا وجوديًّا: هل يمكن للنظام استيعاب لاعب يمارس رأسماليَّة الدولة بدل رأسماليَّة السوق من دون أن يفقد جوهره الليبرالي؟

 

العولمة الانتقائية وعولمة الكتل

وهكذا، يمكن القول إنَّ الصين حاليًا هي المستفيد الأكبر من العولمة، خصوصاً أنَّها تعاملت معها بانتقائيَّة منذ الأساس واختارت منها ما يناسبها. كذلك، باتت العولمة -التي خدمت الأميركيين في وقت سابق- إلى عبء، دفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التعامل معها بانتقائيَّة أيضًا لاختيار ما يناسبها منها أيضًا.

في التجارة والاقتصاد والسياسة الخارجيَّة، يقوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام النظام القائم على المعاملات. وهو نظام يقوم على نهج "الصفقة" حيث يُنظر إلى كلِّ موقف كفرصة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب لصالح الولايات المتَّحدة. ويتمُّ تحقيق ذلك من خلال التفاوض والضغط والتهديد، وفرض التعريفات الجمركيَّة والرسوم على السلع لتعزيز مصالح "أميركا أوَّلًا"، ما يدفع الدول الأخرى إلى اعتماد أنماط مشابهة للحفاظ على مصالحها أوَّلًا.

وعليه، وبدلًا من القطيعة مع العولمة أو إنهائها، يبدو الاتِّجاه الغالب هو تنظيمها والتعامل معها بانتقائيَّة. وهكذا نكون أمام عولمة منظَّمة في بعض المجالات، وانتقائيَّة ومحسوبة في أخرى.

والنتيجة، قد لا نتَّجه بالضرورة نحو "نهاية العولمة"، بل نحو ما يمكن تسميته "عولمة الكتل" حيث يُعاد رسم خرائط التجارة وسلاسل التوريد لتربط الدول الصديقة والحليفة سياسيًّا، بينما تزداد الحواجز والعزلة تجاه المنافسين الاستراتيجيين، لنكون بذلك أمام نظام دولي يتَّسم بالترابط الانتقائي المحكوم بالاعتبارات الجيوسياسيَّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث