في حاجة السوريين إلى عدو يستسلمون أمامه!

عمر قدورالسبت 2026/01/24
Image-1769191869
استمرار نهج الاستباحة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يدعو سوى إلى الضحك التسجيلُ الذي ظهر فيه مقاتل تابع لدمشق، يقول فيه إنه عثر على ضفيرة اصطناعية على طاولة في مطعم، وأن تسجيل الفيديو الذي يقول فيه إنها ضفيرة جُزَّت من رأس مقاتلة كردية كان على سبيل المزاح. بالطبع، الضحك من التبرير هو بموجب المثل القائل: شرّ البليّة ما يُضحك. والأسوأ أن التبرير ينطوي على قدر لا يُصدَّق من الاستخفاف بالعقول، والأسوأ على الإطلاق هؤلاء الذين كانوا ينتظرون تبريراً ما، أي تبرير، ليصدِّقوه ويروّجوه بوصفه حقيقة.

 

قبل جزّ الضفيرة، في المعارك الأخيرة بين القوات الحكومية وقسد، انتشر تسجيل لمقاتل من قوات الأولى يرمي جثة مقاتلة كردية من الطابق الثالث. قيل وقتها، على سبيل التبرير، إن المقاتلة كانت قنّاصة، وأنها لا بد أن تكون قد قتلت العديد من الأبرياء برصاص القنص. فيما لم يتورّع الأكثر حماسة من جمهور السلطة عن القول صراحة إن القتيلة تستحق التنكيل بجثتها، أو حتى التنكيل بها وهي حيّة!

الحدثان السابقان، على سبيل المثال لا الحصر، لم يمنعا مثقفي السلطة من الاحتفال بما يرونه عملاً عسكرياً "نظيفاً"، أدّته وتؤديه القوات الحكومية بدءاً من حلب وصولاً إلى الجزيرة السورية. على نحو خاص، يشيد هؤلاء بعدم تكرار المجازر التي حدثت في الساحل والسويداء، ثم ينظّرون للانتهاكات الجديدة على أنها شرٌّ لا بد منه في كل الحروب. بل أسرع بعض المثقّفين في استثمار ما قرروا أنه عمل نظيف بأثر رجعي، للقول إن ما فعلته هذه القوات بعد إسقاط الأسد إنجازٌ قلّ نظيره على صعيد قلة العنف المستخدم في المعارك والانتهاكات المرافقة لها.

 

من الشائع، في مواجهة انفضاح الجرائم، القول: وماذا عن الطرف الآخر؟ ونعلم أن هذا أسلوب بات شائعاً عالمياً لتبرير جريمة بأخرى، وفي أسوأ الأحوال، ثمة جدار يستند إليه الذين يبررون الانتهاكات، هو التذكير بالانتهاكات التي حدثت أيام الأسد، وبالمجازر الواسعة الكبرى التي ارتكبها منذ انطلاق الثورة. فالمقارنة رابحة مع المجازر السابقة، حيث يُعتَمد عدد الضحايا معياراً لها. ولنا، بموجب المقارنة ذاتها، الظنّ أنها ستبقى صالحة طالما لم يصل عدد الضحايا الجدد إلى الرقم القياسي المسجَّل باسم بشار الأسد.

لكن الإنجاز الأهم للأخير، ولأبيه وعمّه من قبل، يلخّصه مفهوم الاستباحة. فالأسد الأب وأخوه، ثم ابنه فيما بعد، تعاملا مع الخصوم المحليين كأعداء لا تتوقف محاربتهم عند حدّ إلحاق الهزيمة بهم، بل هم أعداء يتوجب محوهم تماماً، واستباحة محيطهم الاجتماعي المباشر أو غير المباشر، بهدف جعل مصير هؤلاء عبرة على أوسع نطاق. الوحشية هنا ليست خطأ، ومنهجية ارتكاب الانتهاكات تشير إلى الغاية المتعيّنة في القضاء نهائياً على ما يمثّله الخصم، أي القضاء على فكرة الخصومة السياسية تماماً.

 

أفظع ما كان عليه الأسد الأب والابن أنهما لم يكونا ذلك العدو الذي يمكن الاستسلام أمامه، ومن الأسباب الأساسية للمنحى الراديكالي الذي اتخذته الثورة ضد الابن تلك القناعة المعممة بأن السلوك الإبادي لن يتوقف حتى إذا أُعلن الاستسلام، وأنه في كل الأحوال سيعمل على استباحة المجتمعات الثائرة عليه، ليضمن أنها لن تثور ثانية، ولـ"يربّي" بها أولئك الذين لم يثوروا كي لا تسوّل لهم أنفسهم ذلك. هذا النهج الأسدي صار عاماً في مختلف أنحاء سوريا، وإن بدرجات متفاوتة لدى سلطات الأمر الواقع التي حكمت وتحكّمت بعد انقسام البلد إلى العديد من مناطق السيطرة والنفوذ.

عطفاً على تعميم الاستباحة، سيرى أنصارها الحديثَ عن شرف الخصومة نوعاً من الرومانسية. وللوهلة الأولى، وربما ما يتلوها أيضاً، سيظهرون واقعيين وعلى حق، فالمقياس الواقعي يشير إلى انعدام شرف الخصومة في الصراعات السورية خلال السنوات الماضية. وهؤلاء لا يرون السند القانوني، فثمة قوانين مختصة بالصراعات الداخلية، تبدأ من حرية الرأي والتعبير وتصل إلى الحروب الأهلية وما يُرتكب فيها. فالإشارة إلى الانتهاكات ليست لفتة أخلاقية، بقدر ما يجب أن تكون انصياعاً للقوانين التي توصِّف هذه الجرائم، سواء كانت جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم تطهير وإبادة.

 

تحاشي التوصيفات السابقة، وإجمالها بالقول إنها انتهاكات أو تجاوزات، لا يصدر فقط عن جهل بالقوانين الدولية. هو بالأحرى هروب من استخدام لغة القانون، يضمر وراءه تهرّباً من فكرة القانون، لأن اعتمادها ينطوي على معاقبة المجرمين، وينطوي على الانتهاء من الأسدية بوصفها أيضاً جنة الإفلات من العقاب. هذا شرط مهم من شروط الاستباحة؛ أن يرتكبها المجرمون وهم على قناعة مطلقة بأنهم خارج المحاسبة، وهو شرط يعلو على الكراهية التي يحملها المجرم، وحتى الأفكار المحرّضة على الاستباحة تجد تربتها النموذجية في الإفلات من العقاب. ولا بد في السياق من الإشارة إلى أن أحداً من مرتكبي "الانتهاكات"، بعد سقوط الأسد، لم يلقَ جزاءً علنياً يُراد به القول إن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى.

للتذكير، كان الإفلات من العقاب في صلب تطورات الثورة. المثال الأشهر هو عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، الذي نُسب إليه ارتكاب "انتهاكات" في درعا، وأشعل عدم محاسبته غضباً عارماً في أنحاء سوريا. المثال الآخر هو ما أثاره مقتل أول المتظاهرين، ثم مقتل متظاهرين آخرين عندما كانت الحصيلة قليلة، إذ نادى الثائرون بإسقاط النظام، وهتفوا "الي بيقتل شعبه خاين"، فلم يقولوا إن سقوط ضحايا أمر معتاد في الثورات، وإن عدد الذين قتلهم الأسد آنذاك قليل بالمقارنة مع ضحايا الثورات هنا أوهناك. واليوم، إذا كان من مقارنة نزيهة وأخلاقية حقاً، فهي المقارنة مع ما أثاره سقوط الضحايا الأوائل آنذاك، لا مع الحصيلة الإجرامية للأسد، فهذه المقارنة تؤكّد الاعتراض المبدئي على القتل وعلى الإفلات من العقاب، لأن الجريمة جريمة بصرف النظر عن عدد الضحايا.

 

وبالحديث عن استمرار نهج الاستباحة، فلا تزال مظاهره ماثلة وتتكرر. بدءاً من أحداث ومجازر الساحل، انتشرت التسجيلات التي يُطلب فيها من المدنيين العواء لكونهم علويين، ثم في أشرفية صحنايا وفي السويداء طُلب العواء من الضحايا الدروز مع استخدام المقصات لقص شواربهم على نطاق أوسع من أن يكون فردياً، وهناك مسيرات تأييد لتلك القوات رُفعت فيها المقصات. وصولاً إلى قص ضفيرة مقاتلة كردية بعد التنكيل بجثة أخرى، وأيضاً انتشار تسجيل يُطلب فيه العواء من أسير.

أما خارج ميدان المعارك، فقد استأنف أنصار تلك القوات حرباً أسدية لا تخلو بدورها من الاستباحة "الناعمة". فاتهام معارضي السلطة بالعمالة، بلا أدلة وبمحض الاستسهال، هو ضرب من ضروب الاستباحة. والاتهام بالارتزاق لجهات خارجية هو نوع آخر منها، مع التنويه بأنه لم يوفّر إعلاميين يعملون في محطات ومنابر مملوكة لدول صديقة للسلطة، بل مانحة لها على الصعيد المالي. فالمستهدَف هنا أيضاً هي فكرة المعارضة، من خلال تأثيمها والتنكيل المعنوي بأصحابها.

لكي تكون هناك سياسة حقيقية في سوريا، يحتاج السوريون إلى سلطة يستطيعون الخسارة والاستسلام أمامها، وهم على ثقة من أن حقوقهم الأساسية محفوظة ومكفولة بالقانون. ولدفن الأسدية هم بأمس الحاجة إلى أخلاق السيف، والتخلي عن أخلاق المقص.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث