لا يمكن فهم موقع العلم في العالم المعاصر ما لم نكسر أولاً الوهم الأكثر رسوخاً: أن العلم جاء ليُحسّن الطبيعة أو ينسجم معها.
العلم، في جوهره، فعل عدائي ضد الطبيعة. ليس لأنه شرير، بل لأنه واقعي. الطبيعة، في حالتها الصرفة، ليست أماً حنوناً، بل منظومة قاسية من الأوبئة، والتآكل، والموت المبكر. وما نسميه تقدماً ليس سوى سلسلة اعتداءات صناعية متراكمة على هذا المسار الطبيعي القاتل.
كل لقاح، وكل دواء، وكل جهاز تعويضي، هو إعلان واضح: نحن لا نقبل بحكم الطبيعة.
نحن نختار أن نكون أقل طبيعية لنكون أقدر على البقاء.
على سوء التقدير هذا يلتقي، على نحو ساخر، خطابان يبدوان متناقضين: الشعبوية المعادية للخبراء، والبيئية الراديكالية الرومانسية. كلاهما يقدس الطبيعي ويشيطن الصناعي. فالرافض للقاحات باسم نقاء الجسد، يشبه الرافض للهندسة الزراعية باسم نقاء الأرض. كلاهما يتجاهل حقيقة واحدة: من دون الصناعة، لم يكن ثمة حظ للبشر في أن يستمروا. الطرفان يتقاسمان الوهم نفسه الذي يوهمهم أن الطبيعة كانت جنة مفقودة، لا غابة متوحشة. ويتشاركان النوستالجيا نفسها للعالم الذي كان سيقتلهم قبل سن الأربعين.
العلم لا يملك ترف الرأي. أمام الألم، لا توجد رومانسية، بل حلول. وأي محاولة لتحويل العلم إلى خطاب وجداني ليست دفاعا عن الإنسان، بل تخلّ عنه. فالعلم لم يأت ليعانق الطبيعة، بل ليضع يده على حنجرتها ويقول: كفى. وما نسميه تقدما ليس تصالحا مع الطبيعة، بل إخضاعا لها؛ لا عناقا، بل قبضة على عنق مسارها القاتل.
فخ النوايا: حين يتحول العلم إلى رأي
لكن العلم ليس بريئاً تماماً. فالعلماء أنفسهم ينطلقون من افتراضات، ومن رؤى مسبقة حول ما يجب علاجه وكيف. هذا التحيّز البنيوي، بدل أن يُواجَه بنقد منهجي صارم، أصبح الذريعة المثالية لانقلاب أخطر: استبدال العلم المنحاز بالرأي المحض.
نحن نعيش لحظة انتحار معرفي جماعي، وبدلاً من أن نقول: العلم غير كامل، فلنحسن شروطه، والعلماء ليسوا منزهين، فلنعمل على تقليص أثر الرأي في منطلقاتهم وأبحاثهم، ينتشر افتراض يقول: العلم رأي، ورأيي يعادله. هكذا لم يعد الرأي موقفاً شخصياً، بل سلاحاً وجودياً. ولم تعد الوقائع دامغة، بل أصبحت قابلة للتفاوض. وباتت السياسات الأكثر انتشاراً هي تلك التي تخاطب حق الفرد في الشك، حتى لو كان هذا الشك ضد حياته نفسها.
الذكاء الاصطناعي: الفاضح لا القاتل
جزء كبير من الرعب المعاصر تجاه الذكاء الاصطناعي لا ينبع من خوف الإبادة، بل من خوف أكثر إيلاماً:فضح علميتنا الزائفة. فالآلة، ببرودها الحسابي، ستكشف أن كثيراً مما نعدّه حقائق طبية أو اقتصادية ليس سوى تفضيلات ثقافية، أو حلولاً وسطية، أو تسويات سياسية متنكرة بثوب المعرفة. وعليه، نحن نخشى الذكاء الاصطناعي لأنه يهدد بإلغاء دراما الرأي. فهو لا يفاوض، ولا يواسي، ولا يحترم قناعاتنا. بل يعيدنا دوماً إلى واقعة صلبة لا تمنحنا شرف الخطأ البطولي. لأن الخطأ، حين يصبح مكشوفاً حسابياً، يفقد قيمته الرمزية كفعل شجاعة أو تمرد. وفي مواجهة هذا الرعب الذي تثيره الآلة، يتشكل رد فعل يتمثل غالباً بالتمسك بالرأي، حتى لو كان الرأي مخالفاً لكل مصلحة. كأن الإنسان يقول: إن كانت الآلة ستسلبني وهم السيادة المعرفية، فسأمارس سيادتي التي لا يملك أي كان أن يساومني عليها، ألا وهي سياسة تدمير النفس.
سيادة العطب: الإنسان ضد حياته
الإنسان كائن صاحب رأي، وكثيراً ما يكون هذا الرأي ضد حياته. مثل المريض الذي يحرص بدقة آلية على إعطاء الدواء لغيره، لكنه يهمل دواءه الشخصي. وهو في هذا لا ينسى بل يتعمد ويختار. كذلك فإن المدخن لا يجهل الضرر الناجم عن التدخين، لكنه وهو يفاوض الموت، يريد أن يحافظ على رغبته بإعلان سيادته على حياته عبر المقامرة بها.
والحال نحن أمام مفارقة مذهلة، ففي الوقت الذي يريدنا فيه الذكاء الاصطناعي بلا أعطال، نصر نحن على حقنا في الخطأ والنقص، وفي أن نكون بشراً بلا مشاريع. ذلك أن المستقبل هو بالضبط ما نحاربه حين نقرر أن نحكم قبضتنا على مصائرنا. سواء كنا مناضلين انتحاريين، أو مدمني مخدرات، أو مهملين لأبسط قواعد الحياة الصحية.
الأدب بوصفه مختبر السيادة الانتحارية
في الأدب، يظهر هذا الحق بوضوح أكثر مما يظهر في السياسة. الشخصيات التي تختار المتعة، أو العبث، أو الدراما، خارج منطق النجاة الاجتماعية، لا تبحث عن السعادة، بل عن الامتلاك الكامل للمصير. في "دكتور فاوستوس" لتوماس مان، لا تبدو المعرفة ثمرة عقل متوازن، بل نتيجة صفقة وجودية: التخلي عن عضوية الجسد مقابل عبقرية صناعية.
الثمن واضح: أن تصبح أقل طبيعية لتصبح أكثر سيادة.
كذلك فإن أرنست همنغواي في "وداعا للسلاح" يدفع بالجندي إلى اختيار المرض والإهمال الجسدي لا استخفافاً بالحياة، بل بحثاً عن موت أليف. لأن المرض بطبيعته هو حوار داخلي مع الجسد؛ بينما الرصاصة القاتلة هي فعل خارجي يسلب السيادة فجأة، ومن دون مقدمات. لذا يختار جندي همنغواي عدوه الداخلي ويفضله على عدوه الخارجي. فما دام المصير في الحالين هو نفسه، فليمنح حياته لمرضه، ويمنعها عن الأعداء.
لكن هذا النزوع الأدبي، يبقى أدبياً. نحن نعجب بهذه الشخصيات الروائية، لأنها تملك المبررات التي نملكها للسيطرة على حياتنا، لكننا على عكسها لا نملك القدرة على التنصل من مسؤولياتنا ليتسنى لنا أن نفاوض موتنا.
في الأدب، يمكن فهم هذا وتبجيله، إنما حين تتنقل مفاوضة الموت من حيز السيادة الفردية إلى حيز السياسة والقانون، تحل الكارثة. هكذا يحتفل، المواطنون، الناخبون، بقرارات إدارية ترفض العلم، وتضع الشك في موقع الفضيلة، وتسوق الأعطاب بوصفها تحرراً. والحال، تحت شعارات الحق بالحرية الفردية، يتشكل أمام أعيننا نظام شامل ينتج الهشاشة بوصفها فضيلة، ويحول المجتمع من ضحية تحيز الخبراء وقسوة الطبيعة، إلى رهينة في قبضة الجهل المسلح بالآراء.
الحق في العطب… وحدوده
لا شك أن العلم صناعة ضد الطبيعة، نعم. لكن الرأي، حين يتحول إلى درع انتحاري، يصبح ضد الإنسان. والحق أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد إنسانيتنا لأنه بلا مشاعر، بل لأنه بلا أوهام. والخطر الحقيقي الذي يواجهنا لا يتمثل في أننا قد نصبح مثل الآلات، بل يتمثل في رفضنا لكل ما لا يشبه رأينا، حتى لو كان شرط بقائنا. فسيادة الإنسان لم تكن يوماً تشترط كماله، بل تتحقق في قدرته على التوقف، والاختيار، وتحمل العواقب. وهذه السيادة، إن لم تُقيَّد بالمسؤولية، تتحول من حق في العطب إلى عبادة للفناء.
سيادة الجسد، في أبهى صورها، هي القدرة على اختيار الذاكرة على النسيان، والقيم على المنفعة، والكرامة على البقاء. لكن هذه السيادة نفسها، عندما تنقلب على ذاتها، تتحول إلى سيادة العطب: تفضيل الخيار على الحياة نفسها، والرأي على الواقعة، حتى لو كان هذا يعني الاستسلام للمرض أو الموت.
العلم ليس سوى صناعة ضد الطبيعة، فيما الرأي يبدو كما لو أنه درع انتحاري ضد العلم، والذكاء الاصطناعي مرآة لا ترحم تُعيدنا إلى حقيقة واحدة: إما أن نتعلم الفرق بين الحق في الاختيار والواجب نحو الحياة، أو أننا سنتحول إلى أول حضارة تموت لأنها فضلت أن تكون محقة على أن تبقى حية. في الخلاصة يمكن القول إن الخطر ليس في الخطأ، بل في تحويل الخطأ إلى حق مقدّس. والخطر ليس في الشك، بل في تحويله إلى سياسة حياة.
