يُعدّ السؤال عن قدرة أوروبا على الوقوف وحدها اختباراً وجودياً، في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها النظام الدولي مع عودة دونالد ترامب إلى السلطة سنة 2025. فإقرار الولايات المتحدة بنهاية الأحادية القطبية وانكفائها التدريجي عن أوروبا، يفرض على الاتحاد الأوروبي تحمّل مسؤوليات أمنه واقتصاده وموقعه العالمي بنفسه. غير أن هذا التحدي الخارجي يتقاطع مع خطر داخلي متزايد، يتمثل في صعود قوى اليمين المتطرف الأوروبي، المتحالفة عضوياً مع الترامبية والمعادية لفكرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، والتي ترى في تفكيك الاتحاد أو إفراغه من مضمونه السيادي خياراً سياسياً. في هذا السياق من الضغط الخارجي والتآكل الداخلي، هل تمتلك أوروبا الأدوات والإرادة السياسية لبناء استقلالها، أم أنها مهددة بالارتهان الدائم لقوى خارجية عبر وكلاء داخليين؟
يشكّل وصول إدارة دونالد ترامب الثانية إلى السلطة قطيعة عميقة في النظام الدولي وفي العلاقة العابرة للأطلسي. فالولايات المتحدة الأميركية تعترف اليوم بشكل صريح بانتهاء اللحظة الأحادية القطب التي أعقبت الحرب الباردة، وتقرّ بالدخول في عالم متعدّد الأقطاب تهيمن عليه المنافسة بين القوى الكبرى، ولا سيما مع الصين، وبدرجة أقل مع روسيا. وقد استُخدم هذا التحوّل لتبرير إعادة تعريف جذرية للسياسة الخارجية الأميركية.
تتمثل الأولوية الاستراتيجية للولايات المتحدة اليوم في مسرح شرق آسيا، في إطار استراتيجية تهدف إلى احتواء صعود الصين كقوة كبرى. ويترتب على هذا التمركز الجديد انسحاب تدريجي من أوروبا، وهو مسار بدأ بالفعل خلال الولاية الأولى لترامب، وقبلها مع إعلان "التحوّل نحو آسيا" في عهد أوباما. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، يترجم هذا التحول إلى ارتفاع ملحوظ في كلفة العلاقة مع أميركا، مقابل تراجع كبير في مكاسبها. وفي هذا السياق، أصبحت الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، التي دافعت عنها فرنسا لسنوات طويلة شبه منفردة، محل إجماع سياسي متزايد.
ويتجسد هذا التحول في مواقف قادة عُرفوا تاريخياً بتشبثهم بالعلاقة الأطلسية، مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، اللذين يعترفان اليوم بضرورة تقليص اعتماد أوروبا العسكري على الولايات المتحدة. ولم تعد الاستقلالية الاستراتيجية تعتبر هدفاً سياسياً فحسب، بل كشرط أساسي للبقاء. ولتحقيق هذا الهدف من دون اللجوء إلى تعديل فوري للمعاهدات الأوروبية، يجري الحديث عن تعزيز قدرة أوروبية مشتركة على صعيد الميزانيات والضرائب، قائمة على إصدار دائم لسندات الديون الأوروبية.
وتتسم العلاقة الجديدة عبر الأطلسي في عهد ترامب الثاني بثلاث نقاط رئيسية. الأولى ذات طابع استراتيجي وعسكري، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص التزامها العسكري في أوروبا، بما في ذلك سحب جزئي لقواتها المتمركزة في القارة. ويترافق هذا التطور مع رغبة أميركية في التوصل إلى اتفاق مع روسيا بهدف استقرار الجبهة الأوروبية وتسهيل هذا الانسحاب. وهكذا يُطلب من الحلفاء الأوروبيين تحمّل جزء أكبر بكثير من مسؤولية أمنهم الذاتي.
أما الثانية فهي تجارية. إذ تستخدم إدارة ترامب الرسوم الجمركية، والاتفاقيات التجارية غير المتكافئة، وحوافز الاستثمار لإجبار الحلفاء الأوروبيين على المساهمة بشكل أكبر في دعم الاقتصاد الأميركي. كما تعمل على تشجيع إعادة توطين الصناعات في الولايات المتحدة والترويج لصادرات الطاقة الأحفورية الأميركية، على حساب السياسات المناخية الأوروبية.
وتتعلق النقطة الثالثة بالمجالين المالي والنقدي. فقد عززت الولايات المتحدة استخدام العملة الأميركية كأداة للضغط. وتشمل ذلك مقترحات مثيرة للجدل، تهدف إلى إلزام شركاء الولايات المتحدة بتحمّل جزء من كلفة الدين الأميركي. وفي الوقت نفسه، تشجع واشنطن تطوير العملات الرقمية المرتبطة بالدولار، مما يعزز أكثر فأكثر مركزية العملة الأميركية في النظام المالي العالمي.
في مواجهة هذه التطورات، ما هو الرد الأوروبي الأكثر فاعلية؟ على الصعيد العسكري، يجعل الانسحاب الأميركي من الضروري تمويل قدرات دفاعية أوروبية أكبر. غير أن الالتزامات المتفق عليها في إطار حلف شمال الأطلسي، ولا سيما تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، لن تكون مستدامة سياسياً واقتصادياً إلا إذا جرى تقاسم هذه النفقات وتوجيهها نحو صناعة دفاع أوروبية متكاملة.
وعلى الصعيد الكلي للاقتصاد، سمح اعتماد أوروبا على السوق الأميركية للولايات المتحدة بفرض اتفاقيات تجارية غير مواتية. وتكشف هذه الوضعية هشاشة نموذج النمو الأوروبي المفرط في اعتماده على التصدير. ويتمثل البديل في تحفيز الطلب الداخلي الأوروبي عبر برنامج واسع للاستثمار العام. ويقدّر تقرير امبرتو دراغي لعام 2024 أن دعم استراتيجية صناعية أوروبية جديدة يتطلب استثمارات إضافية تعادل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي سنوياً، وهو ما لا يمكن تحقيقه بسهولة.
وأخيراً، على الصعيد النقدي، فمن شأن ديمومة إصدار سندات الديون الأوروبية أن تعزز الدور الدولي لليورو، وتقلّص هشاشة الاتحاد الأوروبي أمام الإكراه المالي الأميركي. ولا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يرسّخ نفسه كمُصدر سيادي موثوق إلا من خلال إصدار منتظم وواسع النطاق للديون المشتركة.
هذا المسار يقتضي بالضرورة تقدماً حاسماً نحو تعزيز الاتحاد السياسي، ولا سيما في المجال الضريبي. فتمويل الدين الأوروبي بشكل مستمر يستلزم موارد ذاتية جديدة، ومن ثم التخلي التدريجي عن مبدأ الإجماع لصالح آليات اتخاذ القرار بالأغلبية. وهكذا تجعل التحولات الجيوسياسية الجديدة من المركزية السياسية الأوروبية، شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقلالية وضمان البقاء الاستراتيجي لأوروبا في القرن الحادي والعشرين.
إن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي أصبح شرطاً ضرورياً للبقاء في عالم تحكمه موازين القوة. غير أن نجاح هذا المسار لا يتوقف فقط على تمويل الدفاع المشترك أو توسيع الدين الأوروبي، بل على القدرة على مواجهة الانقسام السياسي الداخلي وصعود اليمين المتطرف، الذي يعارض أي تدعيم للاتحاد ويتماهى مع البرنامج الترامبي الساعي إلى إبقاء أوروبا ضعيفة ومجزأة. إن معركة السيادة الأوروبية هي في جوهرها معركة سياسية وديمقراطية حول من يملك القرار في القارة، وحول ما إذا كانت أوروبا ستتحول إلى فاعل مستقل قادر على حماية مصالحه وقيمه، أم إلى ساحة نفوذ تتقاسمها القوى الكبرى. وفي هذا المفترق التاريخي، فإن التردد لم يعد موقفاً محايداً، بل خياراً يحمل في طياته خطر التهميش والانحدار.
