من المبكر الرهان على تفكيك "قسد"

إياد الجعفري الأحد 2026/01/18
Image-1768727384
ستكون المفاوضات بسقف وتطلعات أكثر واقعية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

خلافاً للرهانات المتصاعدة من جانب شريحة واسعة من المراقبين السوريين، خلال الساعات الأخيرة، بتقدم نوعي باتجاه تفكيك نهائي لملف "قوات سورية الديمقراطية-قسد"، بفعل الأثر الميداني المتراكم لتقدّم القوات الحكومية السورية، غربي الفرات، والحراك العشائري المتزامن معه، شرقي الفرات، من المرجح أنّ الأطراف الخارجية هي التي ستفرض حدود السيطرة على الأرض، لا موازين القوى المحلية. ونتيجة لذلك، سنكون على أعتاب مسار تفاوضي أكثر جدّية بين قادة التنظيم "الكردي"، وبين القيادة بدمشق، برعاية أميركية.

 

ورغم تسارع التطورات الميدانية، فإنه، وحتى كتابة هذه السطور، لم يحصل التحوّل النوعي المنتظر، الذي يؤشر إلى فتح الطريق نحو انقلاب نهائي في موازين السيطرة والنفوذ على الأرض. فالتحوّل المنتظر، هو تقدّم القوات الحكومية داخل عمق مناطق "شرق الفرات". ورغم الحراك العشائري، الذي سيطر بالفعل، وفق المعلومات المتوافرة، على مواقع حيوية، منها آبار نفط مهمة، في المنطقة المشار إليها، فإن مدى ديمومة هذه السيطرة واستقرارها، محل ترقب، قياساً على سوابق "فزعات العشائر" في "شرق الفرات"، في السنوات القليلة الماضية، والتي كانت تتشكّل بشكل مفاجئ، وتنتشر سريعاً، قبل أن تنحسر بسرعة انتشارها نفسها، من دون أن ينتج عنها حصيلة ميدانية مستدامة.

وحتى ساعة كتابة هذه السطور، يبدو أن التقدّم الحكومي الممنهج، يتم في مناطق "غربي الفرات"، وهي المناطق التي سيطرت عليها "قسد"، خلال انهيار نظام الأسد، فيما كانت عملية "ردع العدوان"، تتقدم على حسابه. وسيكون تقدّم القوات الحكومية، بشكل ممنهج، ومستمر، لمدة من الزمن، "شرقي الفرات"، المؤشّر الأبرز للتحوّل النوعي المنتظر، الذي قد يعني، أننا بتنا أمام نقاش حول مصير "قسد"، باتجاه التفكيك، بالفعل. أو باتجاه حد أدنى من السيطرة "الذاتية" على المناطق ذات الأغلبية الكردية، سكانياً، في أقصى شمال شرق البلاد.

 

خلال الأربع عشرين ساعة الأخيرة، كان لافتاً ذاك التصريح القوي، للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي طالب فيه السلطات السورية بوقف الهجوم على "قسد"، "فوراً"، معتبراً أن "قيام سوريا موحدة ومستقرة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر دمج "قسد" ضمنها، وليس عبر شن الحرب على أولئك الذين قاتلوا "تنظيم داعش" إلى جانبنا". وفيما كان تصريح ماكرون مباشراً وحاداً، جاء الحراك الأميركي أكثر هدوءاً، لكنه واضح الاتجاه. يتضح ذلك من اجتماع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، بالقائد العام لـ"قسد"، مظلوم عبدي، في أربيل. والذي تلاه دعوة وجهها الشرع لعبدي، كي يشارك بالاجتماع المرتقب بينه وبين باراك، بدمشق. بالتزامن، جاء التسريب عبر "وول ستريت جورنال"، بأن مسؤولين أميركيين كباراً أبلغوا الحكومة بدمشق، بإمكانية إعادة فرض عقوبات "قيصر"، في حال مضت الحكومة بتوسيع عملياتها العسكرية شرقي البلاد.

لذا، فالحديث عن "تخلٍ" أميركي عن "قسد"، مبكّر للغاية، ولا مؤشرات له. ما حدث منذ أسبوعين، وحتى الآن، ببساطة، هو "تخلٍ" مؤقت، مقصود، بغية دفع سوية "التعنت القسدي" في المفاوضات، نحو الانخفاض. فواشنطن، كما باريس، وفق تصريح ماكرون، تراهنان بالفعل، على دمج "قسد" ضمن "الدولة السورية" الناشئة، وباستخدام الأدوات التفاوضية. 

 

كي نفهم حدود الهوامش التي يمكن للاعبين المحليين التحرك ضمنها، في سوريا، يجب فهم الخطوط العامة للسياسة الغربية، وخصوصاً الأميركية في هذا البلد. فهم يريدون استقراره ووحدته، بغية البدء بعملية إعادة إعمار تحصّن من جهة هذا الاستقرار، وتحقق في الوقت ذاته، مكاسب اقتصادية واستثمارية للأميركيين والأوروبيين ولدول الإقليم المتحالفة معهم. كذلك، يريدون تعزيز نفوذهم المباشر داخل أروقة الحكم بدمشق. لا عبر "التحالف" مع الشرع ورجالاته فقط، بل عبر "إدماج" شخصيات محسوبة بصورة أكبر عليهم، داخل هذه "الأروقة". هذه الشخصيات ستكون "قسدية" بامتياز.

فالولايات المتحدة، وبعيد القضاء على "دولة داعش"، احتفظت لسنوات، بـ"شرق الفرات"، أشبه بـ"ثلث معطّل" لكل سوريا، عبر بضعة مئات من الجنود، والظهير البرّي -"قسد"- إلى جانب أداة العقوبات. وبكلفة منخفضة، استطاعت منع روسيا وإيران من تثمير "انتصارهم" العسكري بُعيد 2018، بصورة استثمارات وأرباح اقتصادية. فتحوّلت "سوريا الأسد" إلى عبء على هذين الحليفين، بدلاً من أن تكون مكسباً لهما. واليوم، تريد واشنطن لهذا "الثلث المعطّل"، أن يتحوّل إلى مصدر نفوذ داخل أروقة "الدولة" السورية الناشئة. وهو التحوّل في الوظيفة، الذي لم تستوعبه "قسد". أو بالأحرى، الذي لم يتقبّله قادتها، نظراً لأنه يعني خسارة في الموارد والمكاسب الخاصة بهم. فهم سيتحولون من "حكّام" لبقعة شاسعة ثرية بالموارد، إلى مسؤولين داخل مؤسسات "دولة"، لا يملكون حصرية التحكم بها. في الوقت ذاته، ستخسر الحكومة بدمشق، كذلك، حصرية التحكم بـ"الدولة" التي تعمل على إنشائها. فيما سيصبح لحلفاء "قسد" الخارجيين -فرنسا والولايات المتحدة بصورة أساسية- مورد نفوذ مباشر داخل هذه "الدولة"، يمكن له أن يوازن النفوذ التركي المباشر في "الدولة" ذاتها، والمتمثل بالفصائل المقرّبة للغاية من أنقرة، والتي أصبحت جزءاً من جسم هذه "الدولة" الناشئة.

 

قادة "قسد" تلكؤوا في تقبّل دورهم الوظيفي الجديد، الذي يمثّل انكماشاً كبيراً لامتيازاتهم السابقة. لذا كان من الضروري تركهم لوهلة، تحت وطأة هجوم القوات الحكومية السورية. هذا "التخلي" المؤقت، شارف على الانتهاء. والآن، ستبدأ المفاوضات، بسقف وتطلعات أكثر واقعية من جانب قادة "قسد". أما الرهان على تفكيك هذا "التنظيم" الكردي، في غمرة النشوة بالتقدم الميداني السريع، فيبدو قراءة متسرعة جداً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث