لا تختلف تسريبات النقاشات الداخلية في إيران عن نظيرتها في أوساط "حزب الله" لبنان، وفحواها أن نصف الحرب والردود الفولكلورية أهلكت الردع منذ اغتيال قائد فرقة القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني عام 2020، مروراً باغتيالات عديدة مثل رئيس المجلس السياسي في حركة "حماس" إسماعيل هنية في طهران.
الرد على اغتيال سليماني كان ضرب قاعدة أميركية بعد إنذارها، تماماً كما حصل في الرد الإيراني على تدمير مفاعلات نووية ايرانية. حينها استهزأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرد الإيراني الرمزي، واعتبر سلوكهم طفولياً، قائلاً "دعهم يُفرغون ما في داخلهم". وهذا الاستهزاء كان علامة واضحة على مدى تفكك الردع،. الردع يقوم أساساً على إقناع الطرف الآخر بعدم الهجوم تحسباً للعواقب وخوفاً منها. من يخشى استهداف قاعدة فارغة رداً على تدمير برنامج نووي بأسره؟
ثوماس شيلنغ، أحد منظري مفهوم الردع، وصفه بأنه ليس مثل "الدفاع، بل تهديداً بضرر أكبر مما يُمكن للعدو أن يتحمل، بما يجعله يختار ألا يُبادر بالهجوم". خيارات المحور أسست لخلاف ذلك، لشعور بأن ما سيأتي بعد أي عدوان، لن يكون فوق الاحتمال بل فارغاً. هذه دعوة مفتوحة لتكرار أي اعتداء.
وهذا ينسحب على "حزب الله" كما على ايران، إذ أن في صفوفه من ينتقد الردود الرمزية لأنها بددت الردع، وعبّدت الطريق لـ"حرية الحركة" الإسرائيلية التي حولت الحرب للعبة من طرف واحد، يضرب الكرة تلو الأخرى بالاتجاه الآخر من دون رد.
عرّاب هذا الواقع هو مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، الذي اتخذ هذه الخيارات منذ بداياتها، ويتحمل مسؤولية الدعوة المفتوحة للاعتداء على إيران. ناقدوه يرون أنه لو قرر قبل ست سنوات، الرد بشكل جدي على اغتيال سليماني، لما كرر ترامب فعلته خشية زعزعة الاستقرار الإقليمي. هذا ما يتسرب من النقاشات الداخلية في النظام الإيراني، وهناك هدف أساسي بالإمكان تحديده لمثل هذا النقاش.
في حال تجنّب ضربة مقبلة، وهذا يبدو مرجحاً مع مضي الوقت، قد نرى دوراً أوسع لدائرة القيادة العسكرية الإيرانية، على حساب مؤسسة المرشد والملالي. ذاك أن اتساع نفوذ العسكر على حساب الملالي، شغل بال كبار المحللين الإيرانيين خلال العقد الماضي (راجع مثلاً كتاب علي الفوني عن الدكتاتورية العسكرية المقبلة). اتساع الأدوار الاقتصادية والأمنية والسياسية المختلفة لمؤسسة الحرس الثوري دليل على تجذر وقدرة على لعب دور في حال تزعزع نفوذ المرشد.
حقيقة أن خامنئي في الـ86 من عمره، تجعل كل نقد للرجل محاولة لتصميم ما يأتي بعده، أكان اختيار شخصية مغمورة غير قادرة على بسط نفوذها، أو نقل الصلاحيات لمجلس مُصغر. كلا الخيارين يُتيحان مساحة أوسع لنقل الصلاحيات للقيادة العسكرية، بعيداً عن الملالي.
ولهذا جاء التصريح الأبرز خلال الاحتجاجات والتلويح الأميركي بضربة عسكرية، على لسان رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف المحسوب على "الحرس الثوري". قاليباف الذي كان قائد القوات الجوية في الحرس، رسم خطاً فاصلاً بين ردود الماضي، وما هدد به من استهداف القواعد العسكرية الأميركية بالمنطقة. الإشارة الى أن الردود السابقة لن تُشبه ما سيأتي، فيها نقد للقرارات الماضية ولمن يقف وراءها.
الواقع أن هذه التهديدات بـ"رد حقيقي" لن تُعيد لإيران قدرة الردع التي خسرتها خلال السنوات الماضية، بل قد نرى جولات قتال جديدة أو تشديداً أكبر للعقوبات على طهران وزبائنها في أسواق النفط.
في المقابل، يرسم التهديد بضربة جديدة، مساراً لتغيير داخل النظام باتجاه نفوذ أكبر للعسكر على حساب الملالي، وليس تعزيز دور معسكر الإصلاحيين الذي يُؤيد المسار الدبلوماسي. يبقى أن استعادة قدرة الردع باتت مهمة صعبة. ويتطلب تبنيها أو التركيز عليها أعمالاً تخريبية ستدفع المنطقة كلفتها، إلا اذا اعتقد أقطاب السلطة العسكرية الإيرانية بأن تبديل أو تحجيم المسؤول الأول عن أخطاء التردد، يكفي لإقناع الخصم باختلاف حسابات الرد.
