ليس أخطر ما يواجه الأنظمة الديكتاتورية أن تُحاصَر من الخارج، بل أن تُضطرّ إلى النظر في المرآة. فالضغط الخارجي -مهما اشتد- يبقى قابلاً للإدارة حين تكون السلطة قادرة على إنتاج معنى مقنع لوجودها، وعلى توفير حدّ أدنى من الحياة لمواطنيها. أما حين تتآكل الشرعية في الداخل، يصبح الخارج مجرد تفصيل… أو ذريعة. النظام الإيراني اليوم يقف في قلب هذه المفارقة. هو نظام يتقن تحويل كل ضغط خارجي إلى خطاب سيادة، وكل مطالبة داخلية إلى مؤامرة. لكنه في المقابل يواجه واقعاً يتعذر تزييفه: مجتمع يتبدل أسرع من خطاب الدولة، واقتصاد ينهار تحت ثقل العقوبات وسوء الإدارة، وجيل جديد لا يرى في الصمود مشروعاً، بل فاتورةً مفتوحة تُدفع من كرامته.
الديكتاتوريات حين تُحاصر، لا تُصلح نفسها عادةً، بل تتشدد. تزيد القمع، وتضخم لغة التخوين. تُحوّل السياسة إلى أمن، والاختلاف إلى جريمة، والاحتجاج إلى عدوان. لكنها في هذا المسار لا تزيد قوتها بقدر ما تكشف ضعفها: فالقوة الحقيقية هي القدرة على الإقناع، لا القدرة على الإسكات. والإقناع -حين يغيب- لا يعوّضه القمع، بل يفضحه.
في إيران، لم تعد سردية العدو الخارجي كافية لإغلاق باب الأسئلة. لأن السؤال لم يعد جيوسياسياً فقط. لم يعد: من يهدد البلاد؟ بل من يرهقها؟ من يصادر حياة الناس باسم معركة لا تنتهي؟ من يطالب المجتمع بالصبر بينما تتسع الفجوة بين الدولة والمواطن، وبين الأيديولوجيا والخبز؟ كل مرة يشتد فيها الضغط الخارجي، تتقلص قدرة النظام على شراء الوقت. وكل مرة يتسع فيها الاحتجاج الداخلي، يتعرى احتكار الدولة للسردية الإيديولوجية. وهنا تتولد لحظة مأزق مزدوج: النظام يحتاج إلى تعبئة الداخل لمواجهة الخارج، لكنه يواجه داخلاً بات أقل قابلية للتعبئة. يحتاج إلى طاعة المجتمع، لكنه يراكم أسباب العصيان.
ثم تأتي المفارقة الكبرى: حين تتحول السيادة إلى أداة ابتزاز معنوي -"اصبروا لأننا مستهدفون"- يبدأ الخطاب السيادي بفقدان معناه الوطني. يصبح مطلباً من طرف واحد، لا عقداً اجتماعياً. يصبح شعاراً يعلو على الناس، لا مشروعاً يشملهم. وفي هذه النقطة، لا يعود الخارج هو مصدر الخطر الرئيسي، بل انقطاع اللغة بين السلطة والمجتمع: السلطة تتحدث بلغة حصار دائم، والمجتمع يتحدث بلغة حياة طبيعية يريدها الآن. الاحتجاجات في إيران ليست حدثاً عابراً، بل علامة على تحوّل عميق: انتقال قطاعات واسعة من المجتمع من الصمت إلى اختبار حدود السلطة.
لهذا، فإن السؤال الذي تفرضه إيران اليوم ليس: هل يصمد النظام؟ بل: إلى أي مدى يمكن لنظام أن يبقى حين لا يملك سوى أدوات الإكراه؟ ما الذي يبقى من دولة حين تتحول إلى جهاز يطالب الناس بتضحيات لا تنتهي من دون أفق؟ وما الذي يبقى من "ثورة" حين تصبح وظيفتها الأساسية هي حماية نفسها من المجتمع؟
الأنظمة الديكتاتورية تُحبّ فكرة الحصار لأنها تريحها من مواجهة الداخل. لكنها في النهاية تُهزم حين تصبح غير قادرة على إدارة الداخل إلا بمنطق الحصار. هناك، يبدأ الزمن بالعمل ضدها. لا لأن الخارج أقوى، بل لأن الداخل لم يعد يصدق. إيران ليست حالة منعزلة. إنها نموذج مكثف لقاعدة قديمة: حين يغدو "الخارج" ذريعة دائمة، يصبح "الداخل" أزمة دائمة. وعندما تتزامن الذريعة مع الأزمة، لا يعود السؤال يتمحور حول السياسة… بل حول البقاء.
