منذ التحضير لمعركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، سادت أجواء التشنج إزاء الأكراد والتحريض عليهم لدى مناصري الحسم العسكري في حلب، ولدى شرائح واسعة تدعم الحل العسكري لاستئصال قسد نهائياً. أصحاب التحريض تمثّلوا عموماً الخطاب نفسه، وينصّ على تجريم قسد، وعدم اعتبار هذه القوات ممثّلة للأكراد، بمعنى أن التهجم الإعلامي عليها لا يمسّ الأكراد الذين "تزعم" قسد تمثيلهم.
أقل ما قيل في الأخيرة إنها تنظيم إرهابي، وأن استهدافها ليس استهدافاً للأكراد إطلاقاً. ولا يقصد أصحاب هذا الكلام أن للأكراد تمثيلاً سياسياً لا يقتصر على منظومة حزب الاتحاد الديموقراطي، فكما هو معلوم للمتابعين هناك أحزاب المجلس الوطني الكردي أيضاً، إلا أنها مجهولة لمعظم أعداء قسد الحاليين، والأكثر معرفة بينهم يقبل فقط (وفقط لا غير) بتنظيمات كردية هزيلة جداً، ليس لها تمثيل يُذكر بين الأكراد، بل يُنظر إليها وإلى منتسبيها القلائل جداً كخونة للقضية الكردية.
يمكن اختصار وجهة النظر الشائعة لدى خصوم قسد بأنها تقسم الأكراد بين سيئين وجيدين، فالكردي السيء هو منتسب إلى قسد أو من أنصارها، والكردي الجيد ليس مناصراً لقسد، ولا لأي تنظيم آخر مماثل في مشروعه لقسد. وقبل مدة قصيرة اشتغلت الآلية ذاتها على خلفية مظاهرات الساحل، فراح يروج تقسيم العلويين إلى سيئين وجيدين. السيئون صُنّفوا تحت يافطة الفلول بصرف النظر عن توجهاتهم الحقيقية، أما الجيدون فهم أولئك الذين لزموا بيوتهم ولم يشاركوا في اعتراض سياسي. في الغضون، بقي التصنيف سارياً بين دروز سيئين وجيدين، السيئون (بلا مراعاة لتبايناتهم) صُنّفوا أنصاراً للشيخ الهجَري، والجيدون قلةٌ يُعرف من بينهم الشيخان البلعوس وعبدالباقي.
أولاً قُسِّم السوريون إلى "مكوّنات" بحسب التعبير الذي يستخدمه مسؤولو السلطة، ثم بدأ تقييم المكوّنات بين جيدين وسيئين، ودائماً من المنظار نفسه. فأصحاب التقسيم والتقييم يعطون لأنفسهم الحق في تقرير ما يناسب الجماعات المستهدفة، بعد حشرها في زاوية الانتماء الطائفي والإثني. السلطة هنا لا تحكم فقط، بل تتحكم بردود الأفعال عليها، وهي مَن يقرر ما إذا كانت ردود الأفعال مناسبة أم لا، وما إذا كان أصحابها على حق أم لا.
لقد رأينا ما هو مشابه تماماً خلال عقود سابقة، فماكينة الأسد الإعلامية اشتغلت طوال تلك المدة على تقسيم المعارضين إلى معارضين وطنيين لهم مطالب محقة، وآخرين غير وطنيين لهم "أجندات" غير وطنية. في التفاصيل، كانت الماكينة تروّج لوجود سوريين طيبي القلب لهم مطالب خدمية مشروعة، أو اعتراضات بعضها مشروع على مسؤولين من الصف الثالث؛ هذه هي المعارضة الوطنية المقبولة، والتي تنتقد تفصيلاً هنا وهناك بين جولات مديدة من الصمت أو الإطراء على السلطة. أما المعارضة غير الوطنية فهي تحديداً تلك التي ترفع مطالب سياسية، أو مطالب تذهب إلى عمق النظام السياسي لا إلى آثاره الهامشية.
وليس تفصيلاً من التفاصيل أن سلطة الأسد واظبت على إخبارنا عن مواصفات المعارضة الوطنية المقبولة، من دون أن نرى نموذجاً ناجحاً لها، أو حتى نموذجاً ملموساً فحسب، أي من دون أن نرى تنظيماً معارضاً وطنياً يصارعها أحياناً على تحقيق تلك المطالب الخدمية. بينما، على الجهة المقابلة، كانت المعارضة اللاوطنية واضحة المعالم، فهي كافة التنظيمات ذات الأهداف السياسية التي لا تتوافق مع السلطة. في المحصلة، السوري السيء معروف، وهو المنتمي إلى التنظيمات "غير الوطنية"، أما السوري الجيد فهو بمثابة فكرة مجردة تُروِّج لها السلطة.
الجيد والسيء يحدده في كل الأحوال الأقوى، أو مَن يظنّ أنه الأقوى، وهذا معروف بعموميته من خلال ترويج أفكار "الصواب السياسي". إلا أن الحالة السورية تختلف في الأدوات والأساليب، فالصواب السياسي يتفشّى أصلاً عبر الأدوات الناعمة، لا بواسطة الترهيب المباشر الذي يمارسه الأقوى على جماعة محددة. وفرص الصواب السياسي في الانتشار تبدو أكبر لهذا السبب، وقد ينجح أصحابه في استمالة طوعية لشرائح ذات وزن من فئات مستهدفة. في حين أن التقسيم إلى جيد وسيء، ضمن منطق الهويات، يهدف إلى إخضاع جماعة أو جماعات بعينها، لا إلى إقناعها، ويفضّل أصحاب هذا المنطق إخضاع الجماعة بلا اقتناع من أفرادها، لأن الرسالة الأساسية هي في الهيمنة الفظة المباشرة.
ولأن الغاية هي كذلك، فالآخر الجيد غير مرغوب فيه، ولا يُنظر فيما يجعل "السيء" سيئاً من أجل معالجة الأسباب، ودفعه ليكون جيداً. فالسيء هو سيء بطبعه، لا بسبب تلقّيه ممارسات سياسية دفعته إلى موقع السوء؛ دائماً وفق أصحاب هذا التصنيف. وإذا تجاوزنا حدود سوريا، أو حتى من دون تجاوز حدودها المعترف بها، ثمة أساتذة في هذا المضمار، فعتاة الصهيونية بذلوا الكثير من الوقت لوضع كاتالوج يوضّح من هو العربي الجيد، إلا أن أشدّهم تطرفاً اختصروا الجهد والسجال بالقول إن العربي الجيد هو العربي الميت، أي المقتول.
المختلف في الدرجة عن المثال الصهيوني أن المطلوب في التصنيف الذي نشير إليه محلياً هو محو الآخر بوصفه كائناً سياسياً، لتكون الإبادة الفعلية أداة من الأدوات عند الضرورة، لا هدفاً بحد ذاتها. وفي واحد من الأمثلة، كان الكردي السيءُ الآن جيداً عندما وقع اتفاقية العاشر من آذار (الماضي)، لأنه فعل ذلك في توقيت مناسب للتغطية على الانتهاكات الجارية في الساحل. لم تُستحضر حينها، كما سيحدث لاحقاً، علاقةُ قسد بسلطة الأسد، أو علاقتها بطهران، مع أن تلك الارتباطات القديمة كانت معلنة على الملأ.
من المتوقع، جرياً على عادتهم، أن يسأل باستنكار أولئك الذين يقسمون الجماعات بين جيد وسيء عمّا إذا كانوا الوحيدين في المضمار؟ ونعلم أن التنميط المتبادَل بين الجماعات موجود بدرجات مختلفة هنا وهناك، فلا توجد مجموعة بريئة منه تماماً. إلا أن تناولنا التنميط الصادر عن "أكثرية سنية عربية" يستند إلى كثرة المواظبين على تقديم أنفسهم ممثّلين لها، كأنهم يمثّلونها في تصنيف السوريين إلى جماعات ثم تقييم كل جماعة، ويمثّلونها أيضاً بوصفها "طائفة السلطة" حالياً. وبموجب هذا الخطاب يترتب على هذه الأكثرية مسؤولية خاصة، لأنها أكثرية ولأنها حاكمة، ولعلّ أكبر عبء يلقونه عليها هو البرهان على أنها أكثرية لكنها ليست حاكمة كما يزعمون، وكما يفهمون السلطة.
