لا تلحظ التحليلات الاقتصادية والسياسية المعاصرة بعداً مهملاً، لكنه مركزي في القوة الأميركية، ألا وهو سياسة إدارة الثروات المخزونة(Stockpiled Wealth) بوصفها أداة استراتيجية تتجاوز الاقتصاد الراهن، وتمتد مباشرة إلى هندسة مستقبل الندرة العالمية. ما يجعل هذه الثروات أشبه بأصول سيادية فوق اقتصادية. فالولايات المتحدة لا تدير مواردها على أساس استهلاك سنوي فقط، بل عبر نموذج يهدف إلى تعظيم زمن الصمود الوطني. وتتجلى معالم هذه الإدارة في ثلاثة أنواع من الثروات المخزونة.
الثروات البيئية
تضم الولايات المتحدة مساحات واسعة من المحميات الطبيعية التي تدار كأراض غير مستغلة اقتصادياً، ولكنها تمثّل احتياطياً استراتيجياً من الماء، التنوع الحيوي، الأخشاب، والموارد الدوائية. حيث تعتبر الأحواض المائية الجوفية العملاقة (حوض أوجالالا مثلاً)، والغابات القديمة وغير المستثمرة والحيوانات التي تعيش فيها، بنوك أصول طبيعية يتم استثمارها في حالات الطوارئ القصوى، وليست مجرد "مناطق محمية" بالمعنى البيئي الرومانسي، الذي يستخدم كأداة سياسية لمنع دول أخرى من استغلال مواردها.
الثروات الحيوانية والزراعية
وهذه تضم فيما تضمه، برامج احتياط البذور، مخزونات الحبوب، أنظمة الإنتاج الزراعي القادرة على إعادة التوسع خلال أسابيع.
والحق إن الحفاظ على الثروة الحيوانية والزراعية ليس نشاطاً "أخضر" حصراً، بل هو يندرج ضمن سياسة تحصين ضد الجوع في سيناريوهات الانهيار البيئي أو انقطاع سلاسل الإمداد العالمية. إلى هذا، تستثمر الولايات المتحدة الكثير في أمنها الحيوي، وتساهم في بنوك البذور العالمية (قبو "سفالبارد" في النرويج على سبيل المثال، الذي تدعمه وتشارك فيه جهات أميركية)، والمخزونات الوراثية للحيوانات والسلالات الزراعية التي تشكل نسخة احتياطية من النظام الغذائي العالمي. وليس خافيا أن من يملك مفاتيح هذا الخزان، يملك حكماً ورقة ضغط حيوية على العالم كله.
الطاقة الأحفورية المخزونة
وهنا تكمن المفارقة الأكبر، فالولايات المتحدة تشتري نفطاً لا تحتاجه، وتدير أكبر احتياطي استراتيجي في العالم، وفي الوقت نفسه تمتلك احتياطيات ضخمة داخل أراضيها لا تقوم باستخراجها عمداً. وهذا يجعل النفط الأميركي المخزون باطنياً هو رصيد قوة مؤجل، لا يتم استهلاكه راهناً، لأن قيمته الجيوسياسية المستقبلية أعلى من قيمته الحالية. وبهذا تتبع الولايات المتحدة سياسة يمكن تسميتها بالتراكم المزدوج، وتتمثل في وجود أكبر احتياطي نفطي استراتيجي في العالم (في كهوف الملح بليفنت ولويزيانا) بالتزامن مع تقييد استغلال احتياطيات ضخمة (في ألاسكا، وفي آبار النفط الصخري غير المطور)، ما يمنحها القدرة على تطوير رافعة جيوسياسية هائلة. فالولايات المتحدة تستطيع بسهولة في ظل أي أزمة عالمية خفض أسعار الطاقة عبر إغراق السوق، أو حجب الإمدادات لرفعها، من دون أن تضطر لاستهلاك ثرواتها المخزونة والتي لم تمس.
إدارة الندرة: الهيمنة عبر المستقبل لا الحاضر
حين تتراجع الموارد عالمياً، فإن الدول التي اعتمدت نموذج الاستهلاك الكامل لثرواتها، مثل الصين التي تستنزف مواردها المائية والزراعية، واليابان التي تعيش في عجز غذائي دائم، ستواجه قيوداً وجودية.
أما الولايات المتحدة، فهي الدولة الوحيدة، بين الدول الكبرى، التي تمتلك فائضاً مخزوناً يسمح لها بالبقاء اقتصادياً وغذائياً لعقود، حتى في ظل سيناريوهات اضطراب عالمي. وهذا الفائض يؤهلها لمراكمة قوة تفاوضية مستقبلية في عالم مهدد بالندرة المناخية والمواردية. خصوصاً وأنها بسبب من تقدمها التقني والتكنولوجي واتساع حجم القوة القادرة على العمل، تملك القدرة على تشغيل اقتصادها داخلياً حتى مع انهيار التجارة الدولية لفترة طويلة. وهذا لا يساعدها على الصمود فقط، بل يضمن لها تحديد قواعد اللعبة عندما يدخل العالم مرحلة الشح.
المخزون بوصفه أداة هيمنة سياسية
يتضح مما تقدم أن الموارد المخزونة ليست ثروة فقط، بل هي أداة ضغط، وسلاح تفاوض، وآلية لضبط سلوك الحلفاء والخصوم، ونظام تهديد غير معلن. فحين يصبح النفط أكثر ندرة، والماء أكثر شحاً وأرفع كلفة، والغذاء أكثر تقلباً، سيكون الطرف القادر على تزويد العالم بشحنات صغيرة من مخزونه، هو الطرف الذي يحدد اتجاه الجغرافيا السياسية. وهذا ليس استنتاجاً نظرياً، بل هو جزء من خطط الأمن القومي الأميركي منذ الحرب الباردة، بوصف الاحتياطيات الضخمة وسيلة لضبط المستقبل، لا الحاضر.
والحال فإن إدارة هذه الثروات على النحو الذي تقوم به الولايات المتحدة لا يدع مجالا للشكوك. ففي وقت ينذر الخبراء بأن العالم مهدد بأزمة ندرة مناخية وغذائية وطاقوية، تبدو الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي راكمت ثروات مخزونة تكفي لتجاوز عدة دورات من الانهيار العالمي. وهذه القدرة على الصمود ليست دفاعية فقط، بل هي آلية هيمنة تعتمد على إدارة زمن المستقبل لتثبيت سلطتها على الحاضر.
في الخلاصة، الولايات المتحدة لا تنافس على مركز الدولة الأقوى اقتصادياً أو عسكرياً في الزمن الراهن فحسب، بل تبني نظاماً يضمن بقاءها كقطب أوحد قادر على الحياة بعد أزمات مستقبلية متوقعة. إنها تستثمر في عملة المستقبل الأكثر قيمة: الزمن. من يملك مخزوناً يكفيه لعقدين، بينما جيرانه يملكون ما يكفي لشهور، هو من سيكتب قواعد العالم الجديد.
