رغم انشغال الشارع السوري بأحداث حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، في الأيام القليلة الفائتة، بقيت قضية "التسوية" المعلنة رسمياً، مع رجل الأعمال المرتبط بالنظام البائد، محمد حمشو، مثار نقاش الكثيرين. ومن خلال حديثنا مع عيّنة واسعة، كان يصعب أن نجد سورياً من العامة، قد تقبّل هذا الإجراء. بل على العكس، كان استقبال هذا "الحدث" سلبياً للغاية. وانعكس، في بعض الأحيان، غمزاً من قناة "نظافة كف" رجالات "العهد الجديد".
وبعد مضي أيام، وهدوء موجة الجدل الحادة عبر وسائل التواصل، قد يكون من المناسب تقديم قراءة باردة لهذا "الإجراء" الرسمي. والذي من المرتقب أن تعقبه إجراءات أخرى مع شخصيات أخرى مثيرة للجدل، أيضاً. وفق ما أعلنت مصادر مقرّبة من لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، التي عقدت التسوية مع حمشو.
قبل ثلاثة أيام من نهاية العام 2025، أعلنت اللجنة ذاتها عن مبادرة "الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع". وعبر موقعها الرسمي، وصّفت اللجنة هذه المبادرة بأنها تستهدف قطاع الأعمال المرتبط سابقاً بدوائر السلطة أو تابعاً لها، بوصفه "آلية عفو اقتصادي منظّمة، تهدف إلى إعادة إدماج المال والأعمال الناتج عن الكسب غير المشروع في الدورة الاقتصادية النظامية، وتعزيز السلم الأهلي، وترسيخ مبدأ الصفح الاقتصادي المسؤول".
أكثر ما لفتنا في عرض اللجنة لمرتكزات مبادرتها، إشارتها إلى الاستناد لتوصيات الأمم المتحدة "ضمن الأطر الدولية لمكافحة الفساد واسترداد الموجودات، والتي توصي -ولا سيما في الدول الخارجة من النزاعات- باعتماد آليات الإفصاح الطوعي والتسويات الاقتصادية كوسائل فعّالة لمعالجة إرث الصراع، وتعزيز الاستقرار، ودعم السلم الأهلي". كما أشارت اللجنة إلى أنها درست "التجارب الدولية الناجحة في الدول الخارجة من الحروب الأهلية أو من مراحل صراع داخلي حاد، وفي سياق مواجهة أمراء الحرب وتداخل المال مع السلطة". وقالت اللجنة: "أثبتت هذه التجارب أن الإفصاح الطوعي، عندما يُنظَّم ضمن إطار مؤسسي صارم، يشكّل أداة مركزية لإعادة ضبط الاقتصاد وبناء الثقة". وذكرت بعض التجارب الدولية التي درستها، ومن بينها "جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد النزاع"، وسيراليون وإيطاليا وروسيا.
فهل كانت السلطات المعنية، أمينة في قراءة هذه المرتكزات وتطبيقها خلال "التسوية" مع حمشو؟ لنبدأ مع توصيات الأمم المتحدة في حالة الدول الخارجة من نزاع. إذ توصي المنظمة الدولية، بالفعل، بإجراء تسويات اقتصادية تتضمن "العفو"، لرجال أعمال كانوا جزءاً من منظومات الحكم السابق، بهدف تسهيل عملية استعادة الأموال المنهوبة وإدخالها في الدورة الاقتصادية للدولة، لدعم الاستقرار، وكشف شبكات التمويل غير المشروع وتفكيكها، وعدم السماح بتفعيلها بصورة قد تهدد الاستقرار الهش، الذي عادةً ما يميّز المرحلة التالية للنزاع. لكن هكذا تسويات تخضع، وفق التوصيات الأممية، لشروط صارمة، أبرزها، ضمان تحقيق السلم الأهلي وإعادة الإعمار، باستخدام الأموال المستردة. كما أن "الصفح الاقتصادي المسؤول"، يجب أن يكون جزءاً من عملية المصالحة، من دون أن يعني الإفلات من المساءلة.
فهل طبقت اللجنة المعنية بالتسوية مع حمشو، بنود التوصيات الأممية بدقة؟ من بين البنود المطبقة، نظرياً على الأقل، عدم الإفلات المطلق من المساءلة، وفق ما يوحي به بيان الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، والتي قالت، بعيد الجدل حول التسوية مع حمشو، إن إجراءات التسوية لا تمنح حصانة قانونية، إذ "لا وجود لأي عفو ضمن مسار العدالة الانتقالية عن مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو عن كل من شارك أو نفذ أو مول أو حرّض على ارتكابها". لكن، لا يزال من غير الواضح، كيف سيتم تنفيذ هذه الرسالة "المطمئِنة" الموجَّهة للشارع، على أرض الواقع! لذا، ما زال بند "تحقيق السلم الأهلي" عبر هكذا تسويات، غير محقق، بشكل واضح. كما يتضح من انعكاس هذه "التسوية" في الشارع. كما أن بند "إعادة الإعمار" باستخدام الأموال المستردة، لا يزال غائباً تماماً عن الصورة.
إن انتقلنا إلى المرتكز الآخر، وهو التجارب الدولية الناجحة للدول الخارجة من نزاع. نجد تجربة "جنوب إفريقيا"، التي قد تكون الأبرز. وبمراجعة هذه التجربة، نجد عنصراً غائباً في التطبيق السوري، وبصورة صارخة للغاية. وهو عنصر "الاعتذار" من جانب مرتكبي الانتهاكات والمتورطين مع النظام البائد. ونعتقد أن غياب هذا العنصر -الاعتذار- هو ما يفاقم حنق شرائح واسعة من المتضررين. وهذا لا ينحصر بقضية "حمشو"، بل يتعداه لما يتعلق بالمتورطين بالأفعال الأمنية والعسكرية، ممن تمت "التسوية" معهم. لذا نجد أعمالاً انتقامية فردية متنقلة، لا تهدأ. وبصورة يومية، تقريباً. فمسار "المصالحة"، غائب فعلياً. نظراً لأن من تورطوا مع النظام السابق، اكتفوا بعملية "التكويع"، وحظي منهم، ذوو الحظوة أو الفائدة للسلطة الجديدة، بـ"تسوية". وانتهى الأمر.. من دون جبرٍ للضرر، أو مراعاة لمشاعر المتضررين.
في تجربة جنوب إفريقيا، كان لـ"لجنة الحقيقة والمصالحة" دور محوري في دفع مسار المصالحة الوطنية. ومن بين آلياتها، كان الاستماع إلى شهادات واعترافات الجناة، وفق مبدأ الاعتراف بالحقيقة وتقديم الاعتذار، مقابل العفو. وهو ما خفّف من الاستقطاب في المجتمع، وأدى لاحتواء مشاعر الغضب والألم الناجمة عن انتهاكات نظام الفصل العنصري.
هذه الآلية مُغيَّبة تماماً في سوريا. بل إن "إدماج" حمشو وعائلته مجدداً في الحياة العامة السورية، قد تم بطريقة متسرعة ومستفزة، وحتى قبل الإعلان عن انتهاء إجراءات التسوية معه. ولم يقدم الرجل اعتذاراً لمن تضرروا من نشاطاته الاقتصادية في حقبة ما بعد الـ 2011. بل اكتفى بالحديث عن "فتح صفحة جديدة، دون الدخول في أي سجالات أو نقاشات تتعلّق بالمراحل السابقة". وبدورها، فإن السلطات المعنية ركّزت على مصادرة جانب من أموال حمشو، دون تفاصيل –تقول تسريبات إنها صادرت نحو 800 مليون دولار من أمواله وأصوله-. لكن، دون أن تتحدث عن ماذا ستفعل بهذه الأموال؟ هل ستجبر بها ضرر من نهب حمشو حديد منازلهم في داريا وجوبر والقابون، وسواها؟
يمكن أن نتفق مع المبدأ الذي تقوم عليه التسويات مع رجال أعمال استفادوا من حرب "الأسد" على السوريين في تحقيق المزيد من الثراء. إذ إن سوريا، بالفعل، بلد هش، وبحاجة لتسويات تقلل من الحانقين على "العهد الجديد"، بصورة توفّر مقومات للاستقرار في المرحلة الانتقالية. لكن، في التفاصيل، تكمن شياطين عدّة، كفيلة بخسارة جانب كبير من الحاضنة الشعبية للسلطة الراهنة. إذ، كان من المفترض تحرّي التطبيق الأمين والدقيق للمرتكزات التي أشارت لها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع. كأن يتم الإعلان عن تمويل جانب من إعادة إعمار المناطق المتضررة من أفعال حمشو، باستخدام الأموال المصادرة منه. وأن يتم إجباره على تقديم اعتذار علني من السوريين، وطلب الصفح منهم. سوى ذلك، يبدو أن مسار "العدالة" في سوريا، يعرج بشدة، قد يؤثر بالسلب على مجهودات السلطة لتحقيق الاستقرار.
