على الخريطة تبدو كاراكاس بعيدة عن القاهرة، وهي بعيدة جداً بالفعل. ولعل تلك المسافة الشاسعة كانت واحدة من مبررات السخرية الواسعة من مؤتمر حزب الكرامة المصري للتضامن مع الرئيس الفنزويلي المخطوف قبل أسبوع. البلاغة المفرطة التي استخدمها المرشح الرئاسي السابق، حمدين صباحي، وهو يدعو الحضور إلى ضرورة "وصول صوتهم (من القاهرة) إلى شوارع كاراكاس"، كانت مبرراً كافياً للتندر على شبكات التواصل الاجتماعي. ليس بسبب مبالغتها فقط، بل لأن صباحي ومن معه، وربما جميعنا، ليس لدينا سوى بلاغة كسيحة لمواجهة الإمبراطورية بعد أن فقدت ما بقى من رشدها. تنم السخرية من المؤتمر عن شعور بالعجز. انفلات العنف الإمبراطوري من عقاله كما رأيناه من غزة وإلى اليوم، يتواكب مع تراجع ملموس في قدرة المواطنين على الفعل السياسي أو التأثير على النخب الحاكمة.
عدد الحضور المتواضع، والذي يحصى على عداد العشرات، كان سبباً آخر للتهكم. يسخر معارض آخر حين يصف محل عقد الاجتماع بـ"شقة في الدقي". لم تعد تملك المعارضة المصرية من السياسة سوى مرارة السخرية من بعضها. الأحزاب الممثلة في المؤتمر، ورثة التركة الناصرية ومعهم الحزب الشيوعي، تنتمي إلى أركيولوجيا السياسة المصرية أو إلى متحف شمع عالم ما قبل الحرب الباردة، أشباح القطب السوفياتي المنهار وحركة عدم الانحياز التي لا يذكرها أحد، تهيم حول المكان. في الحقيقة، تجربة فنزويلا نفسها تبدو مثل حلم (أو للدقة كابوس) بالعودة إلى تلك الأزمنة. لكن ليس ثمة مفر من القفز إلى الوراء، فالسياسات الجديدة للولايات المتحدة تعكس حنيناً إلى عصر إمبريالية القرن التاسع عشر. تستطيع واشنطن أن تختار متى تشاء بين أن تكون إمبراطورية معولمة للهيمنة اللينة أو عاصمة استعمارية على قياس شركة الهند الشرقية أو حقبة الانتدابات، أو خليط من هذا كله. لكن أي خيارات أمام ضحاياها أو لنقل رعاياها الكثر، هل ثمة مكان للتضامن العابر للحدود اليوم أو معنى له؟
تتداول الشبكات مقطع فيديو لواحدة من الحضور وهي تهتف باسم "مادورو"، وتصفه بالبطل. قبلها كان صباحي قد أطلق عدة تغريدات متحسرة عند فرار بشار الأسد ودخول قوات "هيئة تحرير الشام" إلى دمشق، وقبل ذلك وفي العام 1994 ألقى حمدين كلمة أمام صدام حسين تضامناً مع العراق ضد الحصار الأميركي. اصطفافات التيار العروبي وبعض من أطياف اليسار المصري خاطئة بشكل مزمن، على نحو لا يمكن إرجاع الأمر إلى سوء التقدير وحده. لكن ما لا يمكن إنكاره أن الثنائيات المغلقة المطروحة أمامنا لا تتيح سوى إجابات خاطئة. داخلياً إما الديكتاتوريات أو الإسلام الجهادي، وخارجياً إما السلطوية المحلية أو الاستعمار الجديد. إما محور الممانعة أو إسرائيل.
يحبذ كل قطب من قطبي تلك الثنائيات أن يكون على الجهة الأخرى من الميزان أمام القطب الآخر، فكلاهما يعتمد على الآخر، وعلى تخيير جمهوره بين الشر الأكبر والشر الأصغر. هناك مخرج من ذلك الفخ: رفض تلك الثنائيات في مجملها لصالح خير ثالث. وهذا الرفض المزدوج ليس مجرد لعبة نظرية تتعالى على الواقع، بل هناك أمثلة من الذاكرة الحية تشهد على تحققه، فرفض الواحد يقود حتماً إلى رفض الخيار الآخر. في العام 2003، حين اندلعت التظاهرات في القاهرة ضد الغزو الأميركي للعراق، أفلتت الحشود من سيطرة الأمن وسمعنا حينها أول هتافات ضد نظام مبارك. وكانت تلك الشرارة الأولى لسلسلة طويلة من الاحتجاجات انتهت بيناير.
بالفعل، من الواجب أن تسمع القاهرة صوتها لكاراكاس، فالاستعمارية العائدة بقوة تتطلب طرائق مجربة وأخرى جديدة للتضامن بعيدة عن الثنائيات الصفرية.
