ترنح النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية إثر حرب أوكرانيا في شباط/ فبراير 2022، وتلقى هذا النظام ضربة قاضية مع عملية فنزويلا في كانون الثاني/ يناير 2026. وهكذا أصبحت القوة هي المعيار في إدارة الصراعات الجيوسياسية.
في سياق الفوضى الاستراتيجية والتحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، لا تزال الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، لكن الصين ترتسم منافساً وندّاً لها، وتبقى روسيا قوة كبرى فاعلة. وفي وقت قريب سنكون أمام ثالوث عالمي متنافس مؤلف من الإمبراطوريتين الأميركية والصينية، والقوة الروسية الكبرى. ومما لا شك فيه أن العملية الفنزويلية تعتبر لحظة مفصلية في تنافس القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين. إلا أن انبثاق نظام عالمي جديد سيرتبط بنتائج صراعات السنوات المقبلة وتجاذباتها، في ظل احتدام تنافس يتمركز أساساً بين العملاق الأميركي والتنين الصيني.
من أجل مقاربة الحدث الفنزويلي، لا بد من الاستناد إلى استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي صدرت في كانون الأول/ديسمبر الماضي، والتي تُعلن عن "مبدأ ترامب" -أو ما يُسميه ترامب "مبدأ دونرو"- الذي يهدف إلى "إعادة تأكيد مبدأ مونرو وإنفاذه لاستعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي".
يبدو أن ترسيخ الهيمنة الأميركية الكاملة على نصف الكرة الأرضية كان الأولوية الحقيقية لترامب في عامه الأول في منصبه. ويمكن لهذه النزعة "الإمبريالية" أن تعيد العالم إما إلى نظام "مناطق النفوذ" الذي ساد أواخر القرن التاسع عشر، حيث كانت القوى الكبرى تتقاسم العالم، أو إلى "يالطا" جديدة، تشبه تلك التي بلورت قسمة ما بعد الحرب العالمية الثانية بين روزفلت وستالين وتشرشل. مع الاشارة هذه المرة إلى أدوار ممكنة لقوى إقليمية كبرى ضمن تقاسم النفوذ كونياً.
احتدام الصراعات العالمية
بيد أن السيناريو الأرجح هو احتدام الصراعات في ظل هيمنة القوة على الحق، إذ نخشى أن يصبح النظام العالمي من دون قواعد ومن دون حوكمة. ومن الواضح إن النظام الدولي المتبلور منذ 1945، لا يُستبدل اليوم بنظام أكثر عدلاً يكبح جماح جشع الدول القوية، في عالم تحكمه "القوة والإكراه والسلطة"، من أوكرانيا إلى غزة وفنزويلا. وتبعاً لذلك يمكن أن يندفع الأقوياء لإرساء نظامٍ يُخوّل الدول الكبرى والأقوى فرض إرادتها على الآخرين وممارسة هيمنتها. ويمكن أن يكون نموذج ادعاء السيادة عبر الهيمنة من خلال سعي واشنطن لاستحواذ جزيرة غرينلاند لأنها واقعة في أميركا الشمالية. والأهم أن غرينلاند "الدنماركية والأوروبية" هي عقدة جيوسياسية، إذ تقع هذه الجزيرة في قلب القطب الشمالي وتشكل "البوابة الجيوسياسية" بين أميركا الشمالية وأوروبا وروسيا. ومن هنا تعني السيطرة عليها التحكم بممرات الشحن الجديدة التي بدأ ذوبان الجليد بفتحها، ما قد يختصر زمن التجارة العالمية ويغيّر خرائط الملاحة. ويبرر ترامب " طموحه" بعدم السماح لروسيا والصين بالسيطرة على هذه الجزيرة الحيوية!
من غير المستبعد أن يصبح نهج إدارة ترامب مثالاً تقتدي به الصين في تايوان، وروسيا في أوكرانيا. من الناحية العملية، يستغرب المراقبون رد الفعل الروسي الخجول إزاء القبض على حليفها مادورو. ويمكن أن نفترض التغاضي الروسي عن العملية الفنزويلية مقابل التغاضي الأميركي المنتظر عن التعنت الروسي إزاء التسوية في أوكرانيا.
إلا أن الوقائع الميدانية تدل على احتدام التجاذب الدولي، مثلما تؤشر العملية العسكرية الأميركية- البريطانية ضد ناقلة النفط الروسية التي تعمل ضمن أسطول الظل الشهير لخرق العقوبات. وعلى صعيد آخر، تعتبر عملية فنزويلا التي تصدّر غالبية نفطها إلى الصين، عملية أميركية استباقية أ للحد من التغلغل الصيني في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي السياسة الأميركية في حال ترسيخها إلى نهاية مصطلح "الغرب" من قاموس العلاقات السياسية الدولية، مع احتمال تحلل الرابطة الغربية بجناحيها الأميركي والأوروبي.
والأدهى من ذلك، تخبط النظام العالمي وتصدع الشمولية الليبرالية وتضييع منظومة القيم والتنوع الإنساني، وهو ما حدا بالفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري للتفتيش عن الخلفية الثقافية والحضارية لتراجع الغرب، ووصف ذلك بالانحطاط من دون تردد.
