ليس جديداً أن يتحوّل الغضب من السياسات الأميركية إلى رد فعل أيديولوجي أعمى، يخلط بين إدانة العدوان الخارجي وتبرئة الاستبداد الداخلي. غير أن تكرار هذا المشهد، من دمشق إلى بغداد وصولاً إلى كراكاس، يكشف أزمة أعمق في الوعي السياسي لدى جزء من اليسار العربي، أزمة تتجاوز المواقف إلى طريقة التفكير نفسها.
في أحد المقاطع المصوّرة القصيرة التي وقعت عليها صدفة، ظهرت مجموعة من السيدات والسادة يرددون شعارات "ثورية" تندد بالقرصنة الأميركية في فنزويلا. لم يكن المشهد غريباً من حيث الشكل؛ حناجر مرفوعة، قبضات مشدودة، ولهجة حماسية مألوفة في أدبيات اليسار العربي. غير أن الغرابة بدأت حين تحوّل هذا التنديد الصوتي، بسلاسة تكاد تكون آلية، إلى إشادة "ثورية" أيضاً بالديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو. ولقد أعادني هذا المشهد، على نحو فجّ، إلى مرحلة من عمر الثورة السورية قبل أن تنحدر إلى مقتلة مفتوحة.
في تلك المرحلة، كان جزء واسع من اليسار العربي واقعاً تحت هيمنة ما يمكن تسميته بالمبدأ البافلوفي في أبشع تجلياته. فمجرّد سماع اسم "الولايات المتحدة الأميركية" أو "إسرائيل" كان كفيلاً بإطلاق رد فعل انعكاسي يتمثل في الاصطفاف التلقائي إلى جانب أي طرف يرفع شعار العداء لهما، بغض النظر عن طبيعته أو ممارساته أو سجله الدموي. فبذريعة التنديد بالاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، كان البعض من هذا اليسار يندفع إلى الإشادة بمحور "المقاومة والممانعة"، الذي أسميته حينها، دون مواربة، بمحور "المقاولة والمماتعة"، لما تميز به من متاجرة علنية ووقحة بالقضية الفلسطينية وممانعة لفظية تترافق مع قمع داخلي لا يقل وحشية عن أي عدوان خارجي. وفي قلب هذا الاصطفاف الأعمى، جاءت المساندة الصمّاء للطاغية السوري بشار الأسد، تحت ذريعة أنه "آخر القلاع" في وجه الإمبريالية.
من حيث المبدأ، لا خلاف على أن التنديد بخطف رئيس دولة ذات سيادة، أو التدخل السافر في شؤونها من قبل دولة أخرى لا تعترف إلا بسيادتها المطلقة على العالم بأسره، هو موقف إنساني وأخلاقي طبيعي. الولايات المتحدة، بتاريخها الطويل في الانقلابات والحصارات والعقوبات الجماعية، لا تحتاج إلى كثير عناء لإدانتها. وليس من الضروري تذكيرنا بمدى فساد سياساتها أو بازدواجية معاييرها، فالفساد لم يعد استثناءً في العلاقات الدولية، بل تحول إلى عقيدة تمارسها حتى أعتى الديمقراطيات الليبرالية.
في المقابل، لا يبدو مستحباً -أو حتى مفيداً- أن يتحول هذا التنديد إلى تبرئة للطرف الآخر أو إلى تلميع طغيانه. فالإشارة إلى استبداد مادورو، أو إلى عدم مشروعيته السياسية، ليست ترفاً أخلاقياً، خصوصاً بعد تزوير الانتخابات الرئاسية الأخيرة في فنزويلا عام 2024. صحيح أن التاريخ السياسي المعاصر حافل بأمثلة لدول ديمقراطية التفّت على نتائج الانتخابات أو التفتت على المشروعية عبر مناورات قانونية وسياسية ملتوية، لكن هذا لا يبرر، لا من قريب ولا من بعيد، الإشادة بطاغية فقط لأنه في موقع الخصومة مع واشنطن.
وإذا عدنا بالذاكرة إلى الحالة العراقية، سنجد المشهد ذاته يتكرر بفظاظة أشد. فالغزو الأميركي للعراق كان جريمة أخلاقية وقانونية مكتملة الأركان، لا جدال في ذلك. لكن النظام العراقي السابق، بقيادة صدام حسين، لم يكن أقل إجراماً تجاه شعبه وجيرانه. ومع ذلك، تشبّث بعض اليسار العربي آنذاك بطواحين لغة فقاعية، بدت فيها الإدانة لليانكي الأميركي مترافقة، بشكل فجّ، مع تمجيد طاغية بغداد أو على الأقل التغاضي عن جرائمه. وكأن رفض العدوان الخارجي يقتضي بالضرورة تبييض السجل الداخلي للديكتاتور.
المشكلة هنا ليست في الموقف السياسي بحد ذاته، بل في العجز عن التفكير المركّب. فالعقل البافلوفي، حين يهيمن، يختزل العالم إلى ثنائيات ساذجة: إمبريالية مقابل مقاومة، غرب شرير مقابل شرق فاضل، معتدٍ مطلق مقابل ضحية مطلقة. في هذا الاختزال، تضيع حقوق الشعوب، ويُختطف صوت الضحايا الحقيقيين، أولئك الذين يسحقهم الطغاة باسم التصدي والصمود والسيادة الوطنية.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، وبسخرية مرة نسبية، هو: ألا يمكن عزل التنديد بالقرصنة الأميركية عن الإشادة الأوتوماتيكية بضحية هذه القرصنة؟ ألا يمكن للمرء أن يقول، في جملة واحدة متماسكة، "نرفض التدخل الأميركي الوقح ونرفض في الوقت نفسه طغيان مادورو الموثّق؟". أليس من أبسط شروط الموضوعية الأخلاقية أن نفصل بين طرفي المعادلة، فنعبّر بوضوح عن قرفنا من السياسات الأميركية العدوانية، من دون أن نسقط في فخ تمجيد الطغاة أو تحويلهم إلى رموز ثورية زائفة؟
إن الدفاع الحقيقي عن العدالة لا يكون بالاصطفاف الأعمى، بل بالقدرة على النقد المزدوج، وبالانحياز الدائم إلى الشعوب لا إلى الأنظمة. وكل يسار لا يراجع هذه البديهية، سيظل أسير شعاراته، عاجزاً عن رؤية الدم وهو يسيل باسمها.
إن رفض الهيمنة الأميركية لا يكتمل إلا برفض الطغيان المحلي، وإلا تحوّل إلى مجرد انعكاس أيديولوجي بلا مضمون أخلاقي. فالانحياز الحقيقي ليس ضد دولة أو محور، بل مع الإنسان، ومع حق الشعوب في الحرية والكرامة، أينما كان الجلاد ومهما رفع من شعارات.
