في تقريره اليومي على موقعه في الفايسبوك عن الاحتجاجات المتواصلة في إيران، أشار في 8 الجاري الخبير الروسي المعروف بالشؤون الإيرانية، نيكيتا سماغين (Nikita Smagin)، إلى عدة سمات للاحتجاجات الحالية. ولعل أبرزها هي أن الإيرانيين يعبرون بوضوح الآن عن رغبتهم في عودة الملكية إلى إيران، ويرفعون علم إيران القديم، حيث يحل رسم الأسد رافعاً السيف مكان كلمة الله في علم الملالي.
أشار سماغين في 8 الجاري إلى أن عدد المحتجين تضاعف أكثر من مرتين عن ما كان في اليوم السابق. كما تضاعف عدد المظاهرات، إذ بلغ 89 مظاهرة في 21 منطقة من 31 منطقة تتشكل منها إيران. ويقول إن طهران تتحول إلى مركز الاحتجاجات الأكبر، حيث اندلعت 19 مظاهرة في مختلف أنحاء المدينة في اليوم المذكور. ويصبح تجار البازار أحد أبرز القوى المحركة للتظاهر، حيث يحصي 12 مدينة اندلعت فيها التظاهرات في الأسواق. ويسجل تصاعد النشاط بين طلبة الجامعات، حيث تظاهر طلاب 10 جامعات دفعة واحدة. وفي المدن الصغيرة حيث يقل عدد القوى الأمنية، يخرج الإيرانيون إلى الساحات العامة وينظمون تظاهراتهم شبه اليومية.
ويشير سماغين إلى أن عدد المعتقلين بلغ حتى 8 الجاري حوالى 2100 معتقل، وسقط ما لا يقل عن 36 قتيلاً. وتعترف السلطات بمقتل ثلاثة أفراد من القوى الأمنية. وينقل عن مصادر المعارضة إشارتها إلى تبادل لإطلاق النار جرى بين القوى الأمنية والمتظاهرين من بدو البلوش الإيرانيين، وقتل خلالها أحد أفراد القوى الأمنية.
وفي نص نشره سماغين في 9 الجاري على موقع Meduza الروسي المعارض، وصف الليل بين 8 و9 بأنه تاريخي بالنسبة لإيران. فقد خرج في هذه الليلة مئات ألوف الإيرانيين في كافة أنحاء البلاد للتظاهر ضد النظام بدعوة من ولي العهد رضا بهلوي. ورأى أن أجندة الاحتجاجات لن تقتصر من الآن فصاعداً على شعار"فلتسقط الجمهورية الإسلامية". فللمرة الأولى منذ سنين يعرف الإيرانيون ماذا يريدون: عودة الشاه.
يقول سماغين إنه من الصعب معرفة ما يدور في إيران بسبب حظر الإنترنت. لكن تشير بعض التقارير المتداولة، بما فيها من قبل ترامب نفسه، أن المتظاهرين سيطروا على مدينة مشهد، عاصمة الشرق الإيراني. ونقل عن خامنئي إتهامه الولايات المتحدة و"عملاء الإرهاب" بالوقوف وراء الاحتجاجات.
وعن الوضع الاقتصادي المتدهور، يقول سماغين أن الأرقام الرسمية للتضخم تسجل نسبة 40% سنوياً. لكن التضخم الفعلي هو أعلى من ذلك بكثير. وللمقارنة، يشير إلى أن الدولار الواحد كان يساوي في العام 218 حوالى 47 ألف ريال، بينما أصبح مطلع العام الحالي يساوي 1,45 مليون ريال. ويضاف إلى ذلك، الأزمة المزمنة في مياه الشفة وانقطاع التيار الكهربائي الذي يجبر السلطات على تعطيل المؤسسات والمصانع دورياً. ويوجز الوضع الاقتصادي الإيراني بالقول "لا أمل في أن يصبح الغد أفضل من البارحة". ويستنتج من ذلك أن نظام الملالي، وفي إطار استراتيجيته الخارجية الحالية، فقد شرعيته بنظر الإيرانيين، الذين لا يريدون الآن سوى أمر واحد: سقوط الجمهورية الإسلامية.
وفي ما يسميه "عامل ترامب"، يقول سماغين أن الرابح الأكبر من فقدان نظام الملالي شرعيته بالنسبة للإيرانيين هو دونالد ترامب. فهو من انسحب من الصفقة النووية في العام 2018 وتسبب بفشل وعود الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني بتحسين ظروف حياة الإيرانيين على حساب الأموال التي كانت ستواصل إيران تلقيها من أرصدتها المجمدة في الغرب. ويقول إن ترامب وشريكه نتنياهو كشفا عن تناقض إضافي في السياسة الخارجية لنظام الملالي. فقد اتخذت طهران من القوى التي تفوقها عسكرياً مرات عديدة -الولايات المتحدة وإسرائيل- أعداءً أيديولوجيين.
لا شك بأن عملية فنزويلا الأميركية شكلت دعماً معنويا كبيراً للمحتجين الإيرانيين. وقد طرحت "المدن" على ثلاثة محللين سياسيين عدداً من الأسئلة، بما فيها عن "عامل فنزويلا" في الاحتجاجت الإيرانية.
المتابع لشؤون الشرق الأوسط في صحيفة NG الروسية إيغور سوبوتين رأى أنه بعد عملية فنزويلا، تعرض "المحور الإيراني" للهزيمة الكبيرة الثانية في الخارج بعد سقوط نظام الأسد. فقد كان نظام مادورو يشكل أحد عناصر استراتيجية إيران لاحتواء واشنطن. وبالنسبة لحزب الله، كانت فنزويلا نقطة مهمة لبسط نفوذه في أميركا اللاتينية ومركزاً لوجيستياً مهماً.
ورأى أن ما حدث في فنزويلا شكل صدمة قوية للسلطات الإيرانية التي ستجري تقييماً شاملاً لما حدث. وفي ما يتعلق بمستوى العنف الذي ستواجه به السلطات الإيرانية موجة الاحتجاج، رأى سوبوتين أن الكثير يتعلق بالضربة المحتملة على إيران. إذ سيستخدم نظام الملالي عندها أقصى درجات العنف ضد المتظاهرين.
يعتقد سوبوتين أن إسرائيل تدرس حالياً خطوتها التالية، في ضوء تغيرات الواقع الدولي وأنماط السلوك الإيرانية المحتملة. وإذا حاولت الولايات المتحدة استخدام القوة لدعم المتظاهرين الإيرانيين، فستكون إسرائيل أول من يتحمل وطأة الهجوم الإيراني. لذلك، تناقش حكومة نتنياهو حاليًا كيفية التعامل مع هذا الوضع. وقد يبقى لبنان على هامش الحدث الآن.
الصحافية الروسية المستقلة والمتابعة النشيطة للشؤون الإيرانية، يوليا يوزيك، يساورها الشك في تدخل أميركي إسرائيلي لدعم المحتجين الإيرانيين. وعن تهديد ترامب بالتدخل، قالت يوزيك بأن ترامب اختصاصي بالتصريحات الصاخبة. وقالت إنه حين كان الطيران الحربي الإسرائيلي في سماء إيران يتجول فيها على هواه، لم يتمكن الإسرائيليون والأميركيون، بل لم يشاؤوا أن يغيروا جذرياً أي شيئ، بل تركوا الوضع في إيران على حاله.
لا ترى الصحافية أي مؤشرات على انهيار النظام. وإذا انتصر روحاني وحلفاؤه، سيتجه النظام نحو الليبرالية. أما إذا خسر، فسيزداد نفوذ المحافظين، وسيشتد القمع، وسيستمر نظام الملالي في الوجود نظاماً مشابهاً لنظام كوريا الشمالية وسواه من الأنظمة المماثلة.
وبالنسبة لحضور "عامل فنزويلا" في موجة الاحتجاج الإيرانية الحالية، أكدت يوزيك حضور هذا العامل "وبقوة". لكنها ترى أن وجوده ليس بمعنى أن خامنئي ونظامه خائفان لدرجة الاستسلام أمام غضب الشعب. لقد ازدادت المخاطر الآن من دون شك، وخامنئي يدرك أنه إذا أظهر ضعفاً، فلن يُقتل هو وأفراد أسرته فحسب، بل سيسقط النظام الذي بناه بأكمله. لذلك، سيقاتل حتى الموت، وهو مستعدٌ للجوء إلى أي شكل من أشكال الإرهاب.
تشير يوزيك إلى ما نقلته التايمز البريطانية عن مصادر استخبارية أميركية وبريطانية، عن احتمال فرار خامنئي إلى روسيا في حال فشل نظامه في قمع الاحتجاجات، ورأت أنها مجرد بروباغندا. وهي واثقة بأن خامنئي لن يموت إلا في إيران. وإذا لم تكن بروباغندا، بل تقييم حقيقي للمخابرات الغربية أو الإسرائيلية، فإن هذا يفسر سبب استمرارهم في الحرب على إيران، "إنهم لا يفهمون عدوهم".
رئيس مركز التحليل السياسي الأوكراني فلاديمير فيسينكو، رأى أن قطع الإنترنت والتواصل عبر الهواتف المحمولة في إيران، يشير إلى دخول الوضع في مرحلة الأزمة. وفيما يتعلق بتهديدات ترامب باتخاذ إجراءات حازمة في حال مقتل متظاهرين، يقول فيسينكو إن التقارير تؤكد وقوع إصابات بين المتظاهرين، إلا أن ترامب ليس في عجلة من أمره لتنفيذ تهديداته. ومن غير المرجح أن يتمكن الأميركيون من فعل الشيء نفسه في إيران كما فعلوا في فنزويلا.
