العرس في إسرائيل والطبل "تريند" سوري

عمر قدورالسبت 2026/01/10
Image-1767978855
التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا والمعارك في شمالها! (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمة مثل قديم يعرفه معظم السوريين هو: العرس في دوما والطبل في حرستا. الفهم الدارج له مفاده انفصام شخص ما عن حدث ما، فيكون بمثابة الطبل الذي يُقرع في حرستا بينما العرس في مكان آخر هو دوما. ومن يعرف المكانين، وهما متجاوران، يستطيع استنباط فهم آخر للمثل، كأن يكون الطبل مضلِّلاً فيذهب الناس إليه، ظناً منهم أنه في مكان العرس، في حين أن الأخير في مكان آخر أقل إصداراً للضجيج.

 

كُتب الكثير عن ثقافة السوشيال ميديا، وكُتب عن طابعها الاستهلاكي المعتمد على "تريند" يدوم لساعات أو أيام، فيأخذ الانتباه إلى شأن ما، ثم سرعان ما يصير منسياً مع حلول تريند جديد مكانه. وقد صار من المعلوم جداً أن التريند بمعظمه مسيَّس، بمعنى وجود قوى ومجموعات خلف ترويجه، إما بهدف لفت الأنظار إلى قضية ما، أو بهدف حرف الأنظار عن قضية ما لصالح شأن آخر غير مهم بذاته، بقدر ما هو مهم للتغطية على "العرس" الذي هو في مكان ثانٍ.

في "طبل" التريند السوري لم تحظَ بأدنى انتباه أخبار من قبيل اعتقال الجيش الإسرائيلي أربعة أشخاص على طريق عين البيضة-جباتا الخشب في ريف القنيطرة الشمالي، بعد أن توغلت قوات إسرائيلية ونصبت حاجزاً هناك يوم الخميس. أيضاً لم يحظَ بأدنى انتباه خبر توغل الجيش الإسرائيلي وصولاً إلى تل الأحمر في ريف القنيطرة، حيث أفادت مصادر قناة العربية بأنه رفع العلم الإسرائيلي فوق التل. وعلى نحو خاص، لم تلفت هذه الأخبار الانتباه، رغم أن توغلات الجيش الإسرائيلي أتت عقب تفاهمات وزير الخارجية أسعد الشيباني مع الجانب الإسرائيلي في باريس قبل يوم واحد من تلك الانتهاكات.

 

ونزعم أن هذه التفاهمات هي بمثابة "العرس في دوما" الذي صدرت أصوات الطبل في مكان آخر لتغطّي عليه، وتجعله خارج النقاش السوري. بل نزعم أن ضربات الطبل الخاصة بوجود مقاتلين أكراد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب قد تصاعدت مع المفاوضات التي رأينا نهايتها "السعيدة" في باريس، إذ من المتوقع والمعتاد أن تكون لقاءات الإعلان عن التفاهم تتويجاً لمفاوضات طويلة، وأن تكون الأيام الأخيرة هي التي تبلورت فيها النتائج الأساسية، وهي نفسها الأيام هي التي شهدنا فيها فجأة التصعيد الخاص بوجود عناصر قسد في حلب.

طوال أيام بقي التريند السوري هو قسد، وأصحابه واصلوا القرع عليه والنفخ فيه، بلا التفات إلى ما تنقله وسائل إعلام عربية وأجنبية عن التفاهم في باريس الذي وصلت حدوده إلى الاتفاق على مشاريع اقتصادية، ثم أتت لغة البيان لتؤكد على ذلك إيحاءً لا تصريحاً. فمثلاً جاء في البيان المشترك الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية: "لقد قرر الطرفان إنشاء آلية تواصل لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في ما يتصل بتبادل المعلومات الاستخباراتية، واحتواء التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية بإشراف الولايات المتحدة". بينما ذهب بعض وسائل الإعلام أبعد بالإشارة تحديداً إلى مشاريع بعينها، من قبيل إنشاء منتجعات سياحية مشتركة على الأراضي السورية الصالحة للتزلج على الثلوج.

 

في كل الأحوال، لم يتضمن البيان ما ينص على عودة الجانب الإسرائيلي إلى حدود اتفاقية الهدنة عام 1974، ولغته تشير بوضوح إلى إمكانية التطبيع من دون الخوض في مفاوضات سلام بين البلدين للنظر في مستقبل مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل. أي أن ثمة موافقة ضمنية على نسف أساس المفاوضات القديمة، القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام، وعلى أن التطبيع لاحق على معاهدات السلام. ونذكّر بالتوغلات الإسرائيلية اللاحقة على البيان، وعدم ورود ما يفيد بالاحتجاج الرسمي عليها، ما يوحي بأن التفاهم الجديد لم يغيّر في السلوك الإسرائيلي المعتاد.

سيكون السؤال مشروعاً عمّا حصلت عليه السلطة في دمشق لقاء ذلك التفاهم، وبما أن أنصارها مواظبون على اتهام فئات سورية بالعمالة لإسرائيل، فقد يكون (على الأقل) تمريناً ذهنياً مفيداً الظن بأن تل أبيب تخلّت عن دعم فئة ما من تلك الفئات المتهمة بالعمالة لها مقابل توقيع التفاهم. ولنا، في سياق التمرين الذهني نفسه، أن نتذكر كيف واظب العهد البائد على وصم المختلفين معه بالعمالة لإسرائيل وأميركا، وعلى القول إنه مستعد للتفاوض مع "سادتهم" في الخارج، لا معهم بوصفهم "أذناباً وإرهابيين". ولنا، استئنافاً للتمرين الذهني، أن نتذكر كيف كان جمهور السلطة الحالية يستخدم أخبار القصف الإسرائيلي على مواقع الأسد وحلفائه لإهانته ووصمه بالمهانة أو العمالة لإسرائيل والسخرية من إعلانه الاحتفاظ بحق الرد.

 

ما يعرفه جميع السوريين أن لا قدرة لأية سلطة سورية على مواجهة إسرائيل ضمن موازين القوى الحالية، وليس هذا مطلوباً اليوم، ولا في المدى المنظور. لكن هذه الخلاصة الواقعية لا تقود تلقائياً إلى البيان الذي أعقب لقاءات باريس، ولا إلى التفاصيل التي تسرّبت على هامشه. والتطبيع الذي أشير إليه مواربة في أكثر من عبارة يُفترض أنه ليس من صلاحيات حكم انتقالي غير منتخب، هذا إذا تجاوزنا التحفظات المتعلقة بهذه الحكومة الإسرائيلية تحديداً وسجلها كحكومة إبادة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحكومات الإسرائيلية.

ولئن كان السلام قيمة إنسانية ينبغي التشبّث بها، فالتأكيد عليه هو تأكيد أولاً على ثقافة تُعلي من شأن السلام ومن شأن السياسة كوسيلة لحل النزاعات. ولا أدنى مخاطرة بالقول إن هذه الثقافة مفقودة في الواقع السوري الحالي، والذين يصمتون عن بشائر التطبيع، أو يدعون إلى السلام مع إسرائيل، هم أنفسهم الذين يدعون إلى حل الخلافات الداخلية بالقوة. وهم أنفسهم، بقراءة متأنية أكثر، محقّين إذ لا يرون تناقضاً بين الاثنين، فقبول السلام مع إسرائيل نابع من الرضوخ للأقوى، مثلما توسّل العنف في الداخل نابع من الاستقواء على الضعفاء الذين يمكن إخضاعهم.

 

يستحق التفاهم مع إسرائيل بوساطة ترامب نقاشاً سورياً عاماً، يتناول كافة جوانبه السياسية والقانونية؛ يستحق على الأقل أن يكون "تريند" سوري ليومين أو ثلاثة. أما في الواقع فقد فرضت ثقافة التريند نفسها، من أجل أن يشير "طبل حرستا" إلى الداخل السوري، ويصبح العدو الأكبر في الداخل لا في الخارج. هكذا تسلطت الأضواء على قسد التي راحت توصف (بالحد الأدنى) تنظيماً إرهابياً، مع أن المفاوضات بين قسد ودمشق لم تنقطع، وثمة اتفاق لم يُعلن عن إلغائه حتى كتابة هذه السطور.

ولمن لا يكفي الطبل لأخذه إلى الوجهة المرغوبة، ثمة تريند آخر تسبب به محمد حمشو، وهذا كان بمثابة واجهة مالية واقتصادية لماهر الأسد. ويبدو أن جهة ما أو أحداً ما أوعز إليه، في هذا التوقيت، كي يصدر على صفحته بياناً يعلن من خلاله "توقيع اتفاق شامل بينه وبين الحكومة"، "من دون الدخول في أي سجالات أو نقاشات تتعلق بالمراحل السابقة". هذا سقف مختلف لمن يريد الاحتجاج "المقبول" على قرارات الحكومة، مثلما يشير التريند الآخر إلى عدو داخلي للذين يبحثون عن عدو بديل. المهم في الحالتين أن تشير الطبول إلى مكان غير مكان العرس، وأن يغفل الذاهبون إليه عن ذلك العرس الحقيقي في الجوار. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث