ركائز الهيمنة الأميركية: الإقراض العقاري كمحرك للثروة

بلال خبيزالجمعة 2026/01/09
Image-1767916290
لا يعمل العقار كأصل ثابت، بل كـ"مخمر للثروة" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

عندما يقترض شخص مليون دولار بضمان قطعة أرض قيمتها مليونين، ثم يبنى عقارا عليها بكلفة مليون دولار، تمهيداً لبيعه بأربعة ملايين، فإن نظام الثروة التطويرية يولد فائضاً مباشراً في هذه الثروة بقيمة مليون. لكن هذا الفائض لا يمثل حد الفائض الأعلى، فارتفاع أسعار الأراضي المجاورة يخلق طبقة إضافية من الثروة، تزيد من قيمة ضمانات البنوك وتمكنها من الإقراض مجدداً. وعليه، لا يعمل العقار كأصل ثابت، بل كـ"مخمّر للثروة". فكل قطعة أرض قابلة للتطوير تصبح ماكينة لإنتاج قيمة مالية قابلة لإعادة الاستثمار، وتؤدي إلى مضاعفة الثروة عبر دورة الإقراض، البناء، البيع، وتوسيع السوق.

لكن هذا الفائض في الثروة يختلف من بلد لآخر. فالبلاد التي يتعرض اقتصادها لهزات متتالية، أو تلك التي لا تستطيع الصمود أمام العواصف من أي نوع، الطبيعية والاقتصادية والأمنية، لا تملك أن تحافظ على فائض الثروة هذا. على العكس، إذ كثيراً ما تشكل الاضطرابات خسارات محققة، ليس في الفائض فحسب، بل في رؤوس الأموال الأصلية، والقيمة الفعلية. 

هذا المصدر لتحقيق الثروات ومراكمتها هو شأن يخص الدول المستقرة والمتقدمة، مع اختلاف في قدرات كل منها. 

 

العقار في الولايات المتحدة مقابل الصين واليابان وألمانيا

تملك الولايات المتحدة أكبر احتياطي من الأراضي القابلة للتطوير، فضلاً عن وجود أسواق مالية عميقة تسمح بتسييل العقار وتحويله إلى رأس مال مستثمر بسرعة. إلى هذا، هي تتمتع بنظام قانوني وسياسي مستقر يضمن حقوق الملكية ويحد من المخاطر. على الجانب الآخر، تشهد الصين توسعاً عقارياً، لكنه يبقى محدوداً في إطار المدن المكتملة، وبناها التحتية. فيما يعاني هذا القطاع من ارتفاع الديون ومحدودية الطلب، ما يؤثر سلباً على حجم الثروات الناتجة من العقار. أما اليابان فتشهد منذ سنوات ركوداً ديموغرافياً، ينعكس انكماشاً في السوق العقاري، ما يجعل الأراضي الخام غير قابلة لتوليد ثروات جديدة مضافة، بسبب قلة الطلب وبطء إعادة الاستثمار. فيما يعاني هذا القطاع في ألمانيا من محدودية الأراضي، وقوانين البناء الصارمة، وقوانين التسليف والإقراض المعقدة، فضلاً عن بطء الاستثمار. ما يعكس توسع محدوداً للسوق العقاري، يقابله تركيز حاسم على الإنتاج الصناعي. 

 

نظام مستمر لتوليد القيمة

في الخلاصة، ثمة عناصر ثلاثة تجعل الاقتصاد الأميركي أكثر حيوية من اقتصادات الدول الكبرى الثلاث، أولها يتعلق بالمساحات الكبيرة والمرنة القابلة لإعادة البناء والتطوير، وثانيها يتصل مباشرة بالمؤسسات المالية المتقدمة، التي تحول العقار إلى ضمان، يخول مالكه الحصول على ائتمان جديد، فاستثمار يؤدي إلى توسع عقاري خالقاً ضمانات إضافية. والعنصر الثالث يتعلق باستقرارها السياسي والقانوني والأمني والاقتصادي واستقلاليتها الجغرافية. وهذه الاستقلالية تمنحها امتيازاً لا يتحصل لأي دولة من الدول الكبرى الأخرى. فهي بين الدول الكبرى الدولة الوحيدة التي تفصلها عن خصومها الكبار بحار شاسعة، وتمتلك فائضاً في الثروة الطبيعية تخولها الاعتماد الكلي على ما تنتجه. ما يجعلها قادرة على بناء اقتصاد محلي لا يتأثر بالدرجة نفسها بما تتأثر به الدول الكبرى الأخرى في أزمان الأزمات. هذه العوامل مجتمعة تولّد حلقة نمو ذاتية، تجعل الاقتصاد الأميركي قادراً على تحويل القروض إلى ثروة متراكمة بسرعة وفعالية. وهذا يفسر، برأيي، لماذا يمكن لاقتصاد مثقل بالديون أن يبقى ديناميكياً، ولماذا لا يؤدي الدين في أميركا الوظيفة نفسها التي يؤديها في الصين أو اليابان.

خلاصة القول إن الثروة الأميركية ليست مجرد نقد أو أصول قائمة، بل هي نظام مستمر لتوليد القيمة من خلال العقار والائتمان. وما يميزها عن الصين واليابان وألمانيا ليس وفرة الموارد فقط، بل القدرة على تحويل هذه الموارد إلى رأس مال متداول وثروة قابلة للنمو المستمر.العقار الأميركي، بصفته محوراً لهذه الآلية، يشكل قاعدة لا تنفد تقريباً من الثروة القابلة للاستثمار، وهو أحد الأعمدة الرئيسة التي تفسر قوة النظام الاقتصادي الأميركي واستمرارية نموه.

هذا الجانب من جوانب منعة الاقتصاد الأميركي يتم إهماله غالباً، ويقتصر التحليل على مؤشرات مثل الناتج المحلي الإجمالي، الدين العام، وأسواق الأسهم. ويتم إهمال هذا البعد الأساسي والمؤثر والمتعلق بقدرة الاقتصاد الأميركي على مضاعفة الثروة الوطنية عبر العقار والائتمان. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث