أكثر ما يربط منطقتنا بأميركا اللاتينية هو سوء الحظ. الجغرافيا وضعتهم في ظل الجدار الإمبراطوري، القارة اللاتينية هي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وكما يقولون اليوم بحسب عقيدة "دورونو" المعدّلة (دونالد ومونرو): الجزء الغربي من العالم ملكاً خالصاً لواشنطن. النفط هو ما ثبت منطقتنا على رادار الاهتمام الإمبريالي، ومن سوء الطالع أن تقع جغرافيتنا على نقطة تقاطع الوعود المقدسة لديانة الإمبراطورية مع وعد الاستعمار القديم بدولة قومية لليهود. إسرائيل الدولة-الحامية العسكرية، خط الدفاع الأول عن الغرب في الشرق كما تصورها هرتزل، أو كما يطلقون عليها اليوم السوبرـ إسبرطة، تلقي بظل الإمبراطورية على كل ما حولها وأبعد، من أذربيجان حتى القرن الأفريقي.
أثناء الحرب الباردة، شنت الإمبراطورية حربها على الخطر الأحمر هنا وهناك، وبعدها استمرت الحروب اللانهائية بأسماء جديدة: الحرب على المخدرات في دول القارة اللاتينية والحرب على الإرهاب عندنا. لا عجب أن يدمج ترامب اليوم الاسمين معاً، فيشن حملته الصغيرة في فنزويلا باسم الحرب على إرهاب-المخدرات.
المدهش كيف أصبحت إسرائيل، واحة الإمبريالية الصغيرة مصدر إلهام لمركز الإمبراطورية. القبة الحديدية تصبح القبة الذهبية بعد أن تبناها ترامب للولايات المتحدة. إسرائيل أميركا صغيرة، وبالقدر نفسه أميركا هي إسرائيل كبيرة. لا يسقط نظام القواعد العالمي باختطاف قوات دلتا لرئيس دولة ذات سيادة من سريره، بل سقط قبلاً في غزة، بعد عامين من الإبادة، وبعد أن ضُرب بكل قاعدة للقانون الدولي وقوانين الحرب والقانون الإنساني عرض الحائط. البربرية في الشرق الأوسط، تفتح الشهية الإمبراطورية في واشنطن. كما يريد ترامب أن يدير ريفييرا-غزة، يعلن أيضاً أنه سيدير فنزويلا، البترول وانتقال السلطة.
واشنطن لديها سوابق في خطف الرؤساء، تلك العادة الإمبراطورية القديمة حيث يوضع الملوك المهزومون تحت عرش الإمبراطور، استعراض من لحم ودم للقوة المطلقة. ولا عجب أن تكون السوابق الأميركية جميعها موزعة بين منطقتنا وبين القارة اللاتينية. المقارنة بين خطف مادورو وإلقاء القبض على صدام حسين تحمل الكثير من الوجاهة. البترول هنا وهناك، الحصار العقابي الطويل للبلدين، وفي الحالتين الديكتاتورية التي تتيح فرصة للتغطية الأخلاقية على النهب الاستعماري. الفارق هو أن ترامب تعلم الدرس من رعونة بوش الابن، لا جنود على الأرض، والأهم تعلم شيئاً من الإسرائيليين.
لم يخف ترامب إعجابه بالعمليات الإسرائيلية الاستعراضية والفعالة في آن، من تفجيرات البيجر في لبنان واغتيال نصرالله وهنية إلى إطلاق المسيّرات من قواعد داخل إيران نفسها، تلك العمليات الخاطفة التي تمزج بين التفوق التقني الهائل والإعداد المخابراتي الدقيق، وتنتهك بشكل روتيني قوانين الحرب، ومن ثم تترك أهدافها في حالة من الذهول الممتد. في فورة الحماسة للانتصارات الإسرائيلية، انطلقت الطائرات الأميركية لتشارك في مهرجان للقصف في سماوات المنطقة، ملقية بقنابلها الأثقل على المواقع النووية الإيرانية. تأثير الدومينو الذي أسقط نظام بشار الأسد بعد تكسير عظام حزب الله، فتح الشهية الإمبراطورية على ضرب بقية خصومها الصغار في أنحاء العالم. وبالمثل يعلن ترامب أن استهداف فنزويلا يعني سقوط كوبا قريباً.
بخلاف عنصر الإبهار الاستعراضي، لا يغير خطف مادورو الكثير من الوقائع على الأرض. إلا أن الورقة الرابحة في يد واشنطن هو الحصار البحري التي فرضته بالفعل على تصدير النفط الفنزويلي. وفي بلد يعتمد اقتصاده بشكل شبه مطلق على صادراته النفطية، يعد الحصار الأميركي حكماً بالإعدام على شعب يتضور جوعاً بالفعل. في الخلفية، يطل حصار غزة الطويل نموذجاً لمعايير الوحشية الجديدة، بعد أن صارت المجاعة حدثاً روتينياً في نشرات الأخبار.
المخزي أنه وفي ظل الانشغال بما يجرى في الكاريبي، يتناسى الجميع الإبادة المستمرة في غزة. هكذا تغسل الإمبراطورية جرائمها، بتسريع وتيرة ارتكابها.
