عملية فنزويلا متعددة الاستهدافات والتأويلات

بسام مقدادالثلاثاء 2026/01/06
Image-1767646262
كانت فنزويلا نقطة محورية في نشاط "محور الممانعة" في أميركا اللاتينية
حجم الخط
مشاركة عبر

السؤال عن حقيقة ما جرى في فنزويلا، لا يزال يتصدر الكم الكبير من الأسئلة التي لا تقتصر فقط على مستقبل فنزويلا والنظام السياسي فيها. والتقدير الأولي الذي تلا اختطاف مادورو، والذي رأى أن سقوط الرئيس لا يعني سقوط النظام، قد أصبح غير ذي معنى. فقد كان هذا التقدير يستند إلى الخطاب الأولي المتشدد لنائبة مادورو التي تسلمت السلطة بعده، ووصفت العملية الأميركية بالعدوان العسكري. لكن بعد أن أقسمت اليمين الدستورية في 5 الجاري، وأصبحت الرئيس الرسمي لفنزويلا، تغير خطاب ديلسي رودريغيز جذرياً، ودعت الولايات المتحدة للتعاون في بناء فنزويلا الجديدة.

 

لقد فعلت فعلها بالتأكيد في تغيير خطاب بقايا نظام مادورو الذي أصبح من الماضي كما يبدو، تهديدات ترامب وقراره بتسمية وزير خارجيته لتولي إدارة شؤؤون فنزويلا. لكن ليس من المؤكد أن الديموقراطية هي التي ستحل مكان نظام "اشتراكية" هوغو تشافيز ووريثه نيكولاس مادورو. فلم ترد كلمة ديموقراطية مرة واحدة في حديث ترامب عن مستقبل فنزويلا ونظام الحكم فيها.

من المؤكد أن عملية فنزويلا تتعدى آثارها وتردداتها فنزويلا وأميركا اللاتينية برمتها، وتتعدد تأويلاتها والتخمينات بشأن حدود مفاعيلها. كما من المؤكد أيضاً أن منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً إيران وحزب الله لن تبقى خارج إطار تأثيرات العملية، سيما وأن فنزويلا كانت نقطة محورية في نشاط "محور الممانعة" في أميركا اللاتينية. وليس مصادفة أن الإدارة الأميركية قررت في أيار/ مايو المنصرم تخصيص جائزة بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن شبكة علاقات حزب الله في أميركا اللاتينية، حسب موقع مجموعة RBC الإعلامية الروسية في 20 الشهر المذكور.  

يطرح خبراء عديدون السؤال عما إذا قررت الأنظمة الديكتاتورية في العالم أن تقتدي بسلوك الإدارة الأميركية، وتعمد إلى إسقاط الأنظمة المعادية لها. كما يتساءلون ما إن كانت العملية تشرع عدوان بوتين على أوكرانيا، وتبرر طموحات الصين بضم تايوان. 

عملية فنزويلا جاءت نقيضاً لما كان يدعو له ترامب من إنهاء جميع الحروب، ويقدم نفسه داعية سلام يطمح للحصول على جائزة نوبل للسلام. وقد يكون من سخرية القدر أن تكون عمليته قد تمهد الطريق لتسلم السلطة في فنزويلا من قبل زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي حصلت على جائزة نوبل للسلام في العام الماضي بدلاً منه.     

اختطاف نيكولاس مادورو وزوجته من مقرهما في عاصمة فنزويلا، ليس العملية الأميركية الأولى في إنهاء سلطة الحكام الذين تعتبرهم واشنطن معادين لمصالحها. فقد سبق أن اعتمدت الإدارات الأميركية المختلفة الطرق العسكرية لإنهاء حكم صدام حسين في العراق، وحكم مانويل نورييغا في بنما، وحكم جان برتران أريستيد في هايتي، حسب أسبوعية expert الروسية في 3 الجاري. 

رأت الأسبوعية الروسية أن اختطاف الرئيس الفنزويلي سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في أميركا اللاتينية. ونقلت عن الخبير في منتدى "فالداي" إيغور إستومين (Igor Istomin) قوله إن فنزويلا كانت لمدة طويلة بمثابة "القشة" في عين أميركا. فهي تاريخياً كانت تقف ضد سياسة واشنطن في المنطقة، وشكلت حولها تحالفاً من الدول المعارضة، وأصبحت مؤخراً قناة ذات أهمية متزايدة للمصالح الصينية. 

 

أشار الخبير إلى أن أياً من الإدارات الأميركية السابقة لم تقرر اتخاذ خطوات مماثلة تجاه فنزويلا، لأن عواقبها على المنطقة كانت شديدة الحساسية بالنسبة لهذه الإدارات. ورأى أن القبض على نيكولاس مادورو لن يؤدي في حد ذاته إلى إرساء توازن جديد، بل على العكس من ذلك، سيخلق حالة من عدم اليقين الشديدة. ورأى أنه في ظل انتشار السلاح والجريمة في المجتمع الفنزويلي، قد تغرق البلاد في الفوضى وتجر معها جزءاً من المنطقة. 

ورأى الخبير أن الإدارة الأميركية الحالية إما أنها تتوقع الحفاظ على سيطرتها على الوضع أو تعتقد ببساطة أن العواقب لن يكون لها تأثير حاسم على الولايات المتحدة نفسها. لكن هذه العواقب واضحة للعيان، بدءًا من تفاقم أزمة الهجرة وصولًا إلى ازدياد تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة.

الخبير الآخر الباحث في معهد "الولايات المتحدة وكندا" الروسي بافل كوشكين (Pavel Koshkin) رأى أن عملية فنزويلا  قد تترك تأثيراً سلبياُ على التسوية في أوكرانيا، إذ أنها تثير غضب روسيا وتقوض الثقة بالرئيس ترامب. وقال إن عدوان الولايات المتحدة على كاراكاس يلحق ضرراً بالغاً بمكانة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية ككل. وبهذه الخطوة، يُخاطر ترامب بتقويض موقف حلفائه الأيديولوجيين في عدة دول بالمنطقة، بمن فيهم قادة الأرجنتين والسلفادور وتشيلي، وذلك بمنحه ورقة رابحة لليسار.

 

موقع وكالة الأنباء الروسية المحلية rossprimavera نقل في 4 الجاري عن خبير سويدي قوله إن ترامب لا يهتم بالديموقراطية في فنزويلا. ونقلت وكالة الأنباء السويدية TT عن المحاضر في جامعة الدفاع الوطني السويدية Magnus Christiansson قوله في تعليق على عملية فنزويلا، إن انتماء مادورو إلى اليسار لا يعني شيئاً بالنسبة لترامب، الذي لا يهتم لا بالحكومة ولا بالأيديولوجيا. ويعتقد أن العملية ينبغي النظر إليها من وجهة نظر المصالح. كما يعتقد أن ترامب لا يفهم ما هي الديموقراطية، ولا يلعب دوراً مهماً الانتماء الأيديولوجي بالنسبة له. وأشار إلى أن التدخل الأميركي في فنزويلا قد يأتي بنتائج عكسية على حلف الناتو وأوكرانيا والشرق الأوسط. إذ سيجعل الأمور الأخرى أقل أهمية بالنسبة لترامب. ورجّح الخبير أن تكون كوبا الهدف التالي للتدخل الأميركي، خصوصاً إذا تكللت العملية في فنزويلا بالنجاح.

موقع الخدمة الروسية في BBC نقل في 4 الشهر الجاري عن البروفسور في جامعة ICESI الأميركية فلاديمير روفينسكي (Vladimir Ruvinsky) قوله إن عملية فنزويلا، ومن وجهة نظر الإدارة الأميركية، هي عملية عسكرية خاصة استهدفت القبض على شخص تتهمه الإدارة بارتكاب جرائم كبيرة. أما من وجهة نظر القانون الدولي، فليس لدى الولايات المتحدة أسباب كثيرة لاعتبار العملية شرعية. فهي شكلت خرقاً للكثير جداً من القواعد الدولية، إذ لم تحظ بموافقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، كما لم تحظ بموافقة الكونغرس الأميركي.

 

الكثيرون يعتبرن العملية بمثابة إحياء لمبدأ مونرو، والذي كانوا يأملون في أميركا اللاتينية بألا يتم إحياؤه مرة أخرى. عملياً، هذا يعني أن الولايات المتحدة تمنح نفسها الحق بالتدخل في الشؤون الداخلية لفنزويلا، حين تعتبر ذلك ضرورياً، وبالوسائل التي تراها ضرورية.

وعن الوضع في الداخل، يرى البروفسور أن فنزويلا في حال ترقب وانتظار. كثيرون يشعرون بالسعادة لسقوط مادورو، لكن أتباع هوغو تشافيز قد استفاقوا من الصدمة الأولى، ويلتفون حول بعضهم. 

ويرى البروفسور أن انقساماً أيديولوجياً متوقعاً حدث في كل أميركا اللاتينية. فقد أدان اليساريون على الفور العملية الأميركية، بينما أيدها اليمينيون على الفور أيضاً. ورد الفعل العاطفي كان بارزاً في دول أميركا اللاتينية الأخرى، أكثر مما في داخل فنزويلا. 

وعن الديموقراطية في فنزويلا، يقول البروفسور أن ترامب لم يذكر كلمة الديموقراطية ولا مرة خلال المؤتمر الصحافي المخصص للحدث في فنزويلا. 

وعن النفط في فنزويلا، يقول بأن استعادة بناء البنية التحتية المدمرة في القطاع، سيتم على حساب أرصدة فنزويلا المجمدة. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث