يبدو الحديث عن العام الجديد مناسبة متكررة لاستعراض الأمنيات، غير أنّ بعض القضايا تجاوزت حدود التمنّي الفردي، وأصبحت أسئلة أخلاقية وإنسانية عامة، تتعلّق بشكل مباشر بمستقبل المجتمعات ومعنى العيش المشترك. فثمّة مطالب لا تُطرح بوصفها رغبات شخصية، بل باعتبارها شروطاً ضرورية لأي حياة كريمة، حتى وإن بدا تحقيقها بعيد المنال أو مؤجَّلاً إلى زمن غير معلوم.
في مقدّمة هذه القضايا تبرز ضرورة أن يمتلك الشعب السوري زمام قضيته بنفسه، بعيداً عن الوصايات الخارجية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية. فلا سلام حقيقياً يمكن أن يُبنى ما لم يكن نابعاً من إرادة السوريين أنفسهم، ولا حرية أو عدالة يمكن أن تستقرّ ما دام القرار موزعاً بين قوى لا تعيش نتائج خياراتها على الأرض. إن امتلاك الشعب لقراره هو المدخل الطبيعي لأي مسار سياسي أو اجتماعي قابل للحياة، حتى لو بدا الطريق إليه بالغ الصعوبة.
وفي السياق ذاته، لا يمكن الحديث عن مستقبل إنساني من دون معالجة ملف معتقلي الرأي والموقف في مختلف الدول، وخصوصاً في العالم العربي. فاستمرار اعتقال الأفراد بسبب أفكارهم أو مواقفهم السياسية يكشف عمق الأزمة البنيوية في علاقة السلطة بالمجتمع. إن حرية التعبير ليست ترفاً، بل معياراً أساسياً لقياس احترام الإنسان، وغيابها يعني أن الخلل لا يزال قائماً مهما تغيّرت الشعارات.
كما أن المجتمعات التي ترزح تحت ثقل الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية تبقى أسيرة صراعات لا تنتهي. هذه التخندقات، التي تُغذّى بالخوف والتحريض، تحوّل الاختلاف الطبيعي إلى هوّة، وتمنع قيام حياة تشاركية قائمة على المواطنة. تجاوز هذه الانقسامات لا يعني إلغاء الهويات، بل تحريرها من الاستخدام السياسي، وإعادتها إلى إطارها الثقافي والإنساني.
ومن دون محاسبة عادلة، تبقى الجرائم مفتوحة على التكرار. إن محاكمة الطغاة على استبدادهم وجرائمهم أمام محاكم وطنية مستقلة ليست مسألة انتقام، بل شرط للعدالة الانتقالية، ورسالة واضحة بأن الإفلات من العقاب ليس قدراً دائماً. العدالة، حين تكون نزيهة وشفافة، تشكّل أساساً للمصالحة، لا عائقاً أمامها.
وفي موازاة ذلك، تبرز إشكالية تداخل الدين مع السلطة والمصالح الدنيوية. فحين ينخرط رجال الدين، أيّاً كان الدين، في الصراعات السياسية والاقتصادية، يفقد الخطاب الديني جوهره الروحي والأخلاقي، ويتحوّل إلى أداة تعبئة أو تبرير. الحفاظ على ما تبقّى من إيمان حقيقي يقتضي فصل المقدّس عن اليومي، وإبعاد الدين عن ساحات التنافس الدنيوي.
ولا يقلّ الشأن الثقافي أهمية عن السياسي. فالانحدار في الذوق العام، وخصوصاً في مجال الفن والغناء، يعكس أزمة أعمق في العلاقة مع الجمال والمعنى. الفن هو لغة تعبير عن الوعي الجمعي، وارتقاؤه يسهم في تهذيب الحس العام ومقاومة الابتذال الذي تفرضه قواعد السوق والسرعة. وفي الحقل الأدبي، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للإبداع بوصفه فعلاً معرفياً وجمالياً، لا ساحة صراع شخصي. حين تتحوّل الجوائز إلى سبب للتشكيك والاتهام، وتغدو الغيرة بديلاً عن النقد، يخسر الأدب قيمته، ويتراجع الحوار الثقافي إلى مستوى مهين للكلمة ولأصحابها.
أما العلاقات الإنسانية، وخصوصاً داخل الأوساط المهنية، فهي مرآة للأخلاق العامة. انتشار التنافس العدائي، والشماتة، والإقصاء، يدمّر بيئة العمل ويقوّض أي إمكانية للتكامل. سيادة الاحترام المتبادل، والاعتراف بجهد الآخر، ليست شعارات مثالية، بل شروط عملية لإنتاج صحي ومستدام.
وفي فضاء الرأي العام، تتكرّس ظواهر خطيرة، أبرزها اللجوء إلى التخوين والتكفير والسخرية عند الاختلاف. هذه الممارسات لا تعبّر عن قوة الحجة، بل عن هشاشتها. الاختلاف الفكري لا يحتاج إلى إلغاء الخصم، بل إلى نقاش عقلاني يعترف بحق الجميع في التعبير. كما أن محاولة فرض الآراء المتصلبة بالقوة المعنوية أو اللفظية، عبر إهانة عقول الآخرين، تعكس خوفاً من الحوار لا ثقة بالفكرة. الرأي القادر على الصمود لا يحتاج إلى القسر، بل إلى الإقناع.
ويظلّ الاحترام المتبادل بين المتدينين وغير المتدينين، وصولاً الى اللا دينيين، أحد الاختبارات الكبرى لنضج المجتمع. فالتعايش لا يتحقق إلا حين يُنظر إلى القناعات بوصفها شأناً شخصياً، لا مقياساً للفضيلة أو الوطنية. وفي زمن تتراكم فيه الأزمات الواقعية، يصبح الانشغال بقضايا هامشية، أو جدالات عقيمة لا أثر لها في الحياة اليومية، شكلاً من أشكال هدر الوقت والوعي. الأولويات الواضحة شرط لأي نقاش مثمر. كما أن التضامن الإنساني يفقد معناه حين يتحوّل إلى موقف مشروط بالمصالح المتبادلة. القضايا الإنسانية لا تُقاس بمنطق المقايضة، بل بمدى الالتزام بالقيم الأخلاقية الكونية. وتزداد الحاجة اليوم إلى الوعي بالكلمة، قبل النطق بها وبعده، وإدراك أثرها في المتلقي. فالكلام، في زمن الانتشار السريع، قد يكون بناءً أو مدمّراً.
ومن أخطر ما يرسخ في الوعي الجمعي اعتماد سوء الظن قاعدة عامة، تُستثنى منها الدوائر الضيقة، ويُدان بها المختلفون. هذا المنطق يقوّض الثقة، ويحوّل المجتمع إلى فضاء شك دائم. كما أن الإشاعات التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكّل خطراً حقيقياً على الوعي العام، ما يفرض مسؤولية أخلاقية على الأفراد في التحقق مما ينشرونه أو يشاركونه. وأخيراً، لا يمكن لأي نقاش أن يكون صحياً ما لم يُحترم التخصص، ويُعترف بحدود المعرفة. ادّعاء الإحاطة بكل شيء لا ينتج معرفة، بل فوضى.
قد يبدو كل ما سبق مشروع زمن طويل، وربما أبعد من عام أو أعوام. لكنه، في جوهره، محاولة للتمسّك بالمعنى في عالم يزداد قسوة. فغياب الحلم، حتى حين يبدو مستحيلاً، هو الوجه الآخر للاستسلام. وكل عام وأنتم بخير.
