مع الحمولة السياسية والرمزية الكبيرة التي أُرفق بها إعلان "ولادة" العملة السورية الجديدة، يدخل الاقتصاد السوري في منعطف مختلف عن تجاربه السابقة في هذا المضمار. منعطف يحمل الكثير من التساؤلات والتحديات، التي لم ينكر صانعو هذه "الولادة"، إدراكهم لها، كما أن التحذيرات المبطنة والمباشرة، من جانب مؤسسات رسمية، والتي رافقت هذه "الولادة"، أكدت مقدار تجلّي هذه التحديات في أذهان صانع القرار الاقتصادي.
تجاوزنا الآن الجدوى من الجدل حول: أيهما أقل كلفة وإرباكاً، طباعة عملة جديدة بتصميم جديد مع حذف صفرين مقارنة بالعملة القديمة، أم الاكتفاء بطباعة فئات نقدية أعلى لتحقيق هدف تسهيل المعاملات اليومية؟ فقد اختار صانع القرار الاقتصادي في دمشق، الخيار الأول، الأعلى كلفة والأكثر إرباكاً، وذلك لتحقيق هدف آخر، غير الهدف الاقتصادي والمعيشي، وهو تسهيل المعاملات اليومية. فالهدف الآخر المحقق، هو سياسي- رمزي. وهو أمر لم يخفه حاكم المركزي السوري، عبد القادر حصرية، الذي استخدم توصيفات رمزية- معنوية عديدة، في حديثه لمرات، خلال الأشهر الأربعة الفائتة، عن قضية العملة الجديدة والغاية من استبدال القديمة بها.
لكن يبقى السؤال، هل هناك أهداف اقتصادية أو نقدية أخرى، اختِير هذا المسار، من أجلها، غير تسهيل المعاملات اليومية؟ ربما نجد هدفاً نقدياً ألمح إليه حاكم المركزي في معرض إجاباته على أسئلة الصحافيين في المؤتمر الذي عُقد الأحد. حينما أشار إلى أن الكتلة النقدية الجديدة التي ستتولد عن طرح العملة السورية الجديدة، ستصبح أداة نقدية خاضعة لتحكّم المركزي بحسب احتياجات الاقتصاد الوطني. أي ستصبح لدى المركزي أداة لإدارة السيولة في الاقتصاد، حسب وصف حاكم المركزي. وهي المرة الأولى التي يُلمح فيها الحاكم إلى غاية نقدية من هذه العملية.
سبق أن تحدث خبراء عن أثر المضاربات التي كانت تتم على الليرة، بواسطة السيولة النقدية المتاحة في السوق، خلال العام 2025. وقد أشار عدد من هؤلاء إلى أدوار لرجال من فلول النظام والمرتبطين به، ممن يملكون سيولة نقدية كبيرة من الليرة السورية القديمة، ويملكون القدرة على التأثير باستخدامها. ناهيك عن السيولة من الليرة القديمة المتوافرة في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة بدمشق (شمال شرق سوريا والسويداء). ومع تبديل العملة، ستصبح السيولة من الليرة القديمة عبئاً على هؤلاء، وسيسعون للتخلص منها سريعاً. خصوصاً مع محدودية المهلة الأولى التي حددها المركزي بـ90 يوماً. رغم إشارته إلى احتمال تمديدها، حسب الاحتياج.
لهذا الملمح النقدي جانبان. إيجابي، يتعلّق بتعزيز قدرة المركزي السوري على التحكم في الكتلة النقدية داخل الاقتصاد السوري. وسلبي، يتعلّق بالطلب الكبير المرتقب على الدولار، لاستبدال العملة القديمة، خصوصاً في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة، وانعكاساته على سعر الصرف في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
إذ، حتى لو تصورنا أن الحملة التوعوية المرافقة لمهلة استبدال العملة الأولى -أول 90 يوماً- والتي بدأت منذ الآن، بيان مجلس الإفتاء مثالاً، إلى جانب تصريحات الحاكم ومؤتمره الصحافي، حتى لو تصورنا أن هذه الحملة نجحت في الحد من اندفاع الناس لاستبدال العملة القديمة بالدولار، بدلاً من استبدالها بالليرة الجديدة، في مناطق سيطرة الحكومة، والتي تضم الجزء الأكبر من الديمغرافيا السورية، يبقى أن الوضع في المناطق غير المسيطر عليها، ستحكمه المسارعة لتبديل العملة القديمة بالدولار، قبل انتهاء المهل المحددة لعملية الاستبدال، والتي ستصبح بعدها، الليرة السورية القديمة، بلا قيمة. وجراء ذلك سيرتفع الدولار في شمال شرق سوريا وفي السويداء. ومع وجود قنوات بين تجار العملة في المناطق السورية المختلفة -نعرف ذلك منذ ترسخ حالة التقسيم غير المعلنة في العقد السابق على سقوط نظام الأسد- حينها نتوقع أن ينعكس الطلب على الدولار في تلك المناطق، طلباً عليه في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة بدمشق، تلبية للطلب في المناطق الأخرى.
ضمن تصريحات حاكم المركزي، أشار مراراً إلى إدراكه لحجم التحديات المرتقبة. من أبرزها، ارتباك الناس خلال مهل التبديل. والمضاربات المرتقبة، خصوصاً من جانب التجار والصرافين، الذين وجّه لهم الحاكم خصصياً، دعوة للالتزام بالأنظمة والقوانين. لكنه لم يتحدث مطلقاً، لا بصورة مباشرة، أو تلميحاً، إلى طبيعة عملية الاستبدال في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة. وأثر ذلك، على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وإن اعتمدنا على ما بين السطور، في تصريحات الحاكم، قد نجد رهاناً على أثر الحملة الإعلامية والتعبئة السياسية والرمزية الكبيرة التي رافقت عملية إطلاق العملة الجديدة، في دفع الطلب على هذه الأخيرة، إلى أقصاه، في مناطق سيطرة الحكومة. بوصفها ستسهّل تعاملاتهم اليومية. ناهيك عن أنها تحمل حمولة رمزية كبيرة متعلّقة بزوال صور "الأسدين" من عليها.
إذاً، فإن رهان صانع القرار الاقتصادي في سوريا، قائم بصورة أساسية على تعبئة السوريين الموالين للسلطة القائمة في دمشق –وهم بالفعل أغلبية ظاهرة- وراء عملية الاستبدال، والدفع بالطلب على الليرة الجديدة، إلى أقصاه. وهو ما يظهر جلياً في تصريحات المسؤولين المعنيين خلال الحملة التي رافقت إطلاق العملة الجديدة. وهو الرهان الذي إن أصاب، فإنه سيؤدي إلى لجم التراجع المرتقب لسعر صرف الليرة. وإن خاب، فمن المرجح أننا أمام سيناريو عكسي، لا يأمله أي سوريّ، نظراً لانعكاساته السلبية على معيشته.
