أميركا اللاتينية: من "مونرو" إلى "دورنو"؟

شادي لويسالثلاثاء 2025/12/30
Image-1767096241
خف في المخيلة العامة ارتباط الاستبداد باليمين (صورة الديكتاتور بينوشيه في انتخابات تشيلي- Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أسبوع فاز نصري عصفورة، المرشح اليميني، بالانتخابات الرئاسية في هندوراس، لينضم البلد الواقع في أميركا الوسطى إلى لائحة من دول القارة اللاتينية التي تنزاح بوتيرة سريعة نحو أقصى اليمين. نال عصفورة ذو الأصول الفلسطينية دعماً من ترامب، حيث هدد الرئيس الأميركي بقطع مساعدات بلاده إلى هندوراس لو خسر مرشحه المفضل الانتخابات، وقام أيضاً بوصف منافسيه بالشيوعين. الجدير بالذكر أن واحداً من منافسي عصفورة الرئيسيين، هو نائب الرئيس السابق، سلفادور نصر الله، وهو أيضاً من أصول فلسطينية.

 

ليست هذه الانتخابات اللاتينية الأولى التي تتدخل فيها واشنطن هذا العام، فضخ الخزانة الأميركية عشرين مليار دولار لمساعدة الموازنة الأرجنتينية المتعثرة، دعم الرئيس الأرجنتيني اليميني ميليه في الانتخابات البرلمانية النصفية، وكافأه بأغلبية مريحة لم تكن متوقعة، ستمكنه من تمرير أجندته التقشفية شديدة القسوة.

وفي استلهام لـ"مبدأ مونرو" الذي جعل من القارة اللاتينية منطقة نفوذ أميركي، صكت وسائل الإعلام تعبيراً جديداً لوصف السياسات الأميركية الحالية تجاه جيرانها الجنوبيين، هو "مبدأ دورنو"، باستبدال "الميم" بحرف "د"، وهو الحرف الأول من دونالد (ترامب)، في اسم مورنو.

 

العام 1823، أعلن الرئيس الأميركي جيمس مونرو في خطابه السنوي نصف الكرة الغربي منطقة محظورة على القوى الأوروبية. وبعد قرنين، تعود واشنطن بقيادة ترامب لترسيم النصف الغربي بوصفه منطقة النفوذ الأميركي الأهم. وذلك بغية مكافحة التوسع الاقتصادي الصيني في القارة. وظفت الولايات المتحدة وسائل تأثير متعددة ومتفاوتة في عنفها، من فرض التعريفات الجمركية بهدف تحقيق أهداف سياسية، كما في حالة المكسيك ونيكارغوا، مروراً بالتدخل العلني في الانتخابات، إلى الحصار البحري على فنزويلا وقصفها بشكل شبه يومي. وفي مقابل ذلك الضغط، تصدت الحكومتان اليساريتين في المكسيك والبرازيل للتحرشات الأميركية بهدوء ولكن بثبات. بينما قادت المقاومة عالية الصوت من الرئيس الكولومبي إلى طريق مسدود، ما دفع بوغوتا للتراجع بشكل مهين أمام تلويح ترامب بفرض تعريفات جمركية عالية على الصادرات الكولومبية. في الجهة الأخرى، وبالإضافة إلى ميليه في بوينس آيرس والرئيس الإكوادوري اليميني دانيال نوبوا، يعد الرئيس السلفادوري نجيب أبو كيلة الذي يصف نفسه بأنه "أروع دكتاتور في العالم"، أقرب حلفاء ترامب اللاتينيين. أما الباراغواي فهي حليف مقرب من واشنطن بشكل تقليدي، وزادت حميمية العلاقات مؤخراً.

 

هذا العام، هزت رياح الانتخابات العواصم اللاتينية، وتساقطت الواحدة بعد الأخرى في حجر واشنطن. "تأثير ترامب" حاضر بلاشك، سواء بالتدخل المباشر أو بوصفه نموذج إلهام، إلا أن انكسار موجة "المد الوردي" اللاتينية، التي وضعت اليسار في موقع قيادة القارة منذ مطلع الألفية حتى الانزياح اليميني الأخير، تحركها ديناميات داخلية. في بوليفيا، فاز في الصيف الماضي، مرشح الحزب الديمقراطي المسيحي، رودريغوا باز، بالانتخابات الرئاسية، وخسر حزب "الحركة من أجل الاشتراكية" الحاكم، والذي هيمن على السياسة البوليفية لمدة عقدين، كافة مقاعده في مجلس الشيوخ وكل مقاعده في مجلس النواب، باستثناء مقعدين، علاوة على خسارة كرسي الرئاسة. الرصيد الاقتصادي المتراجع للحزب اليساري وفضائح الفساد المتوالية مع الانقسام الداخلي بين مؤسسه الرئيس السابق، إيفو موراليس وخليفته، كانت من بين الدوافع الرئيسية لتحول دفة تصويت الناخبين بعيداً عن اليسار ونحو الوسط المسيحي.

التغير الأكبر حدث في تشيلي، حيث فاز قبل أسبوعين مرشح أقصى اليمين، خوسيه أنطونيو كاست، بالانتخابات الرئاسية. حقق المرشح الذي لا يخفي إعجابه بالدكتاتور السابق بينوشيه، فوزه، على تذكرتي الهجرة والخوف من العنف. حيث وعد بمكافحة الجريمة المنظمة التي ينسبها للأجانب، وترحيل أكثر من 300 ألف مهاجر معظمهم من فنزويلا. وفي سبيل ذلك، أعلن عن عدة تدابير تردد الصدى الترامبي، مثل إنشاء مراكز اعتقال وبناء سور حدودي بارتفاع 5 أمتار وسياجات مكهربة وخنادق عميقة وزيادة حضور الجيش على الحدود، وبالأخص جهة الشمال مع البيرو وبوليفيا.

 

مع مرور حوالى نصف قرن على سقوط الديكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية، خفّ في المخيلة العامة ارتباط الاستبداد باليمين. بالتوازي، ساهمت الممارسة السلطوية للأنظمة اليسارية في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا في قلب الصورة بشكل تدريجي. والحال أن التحول الواسع والسريع لسكان القارة من الكاثوليكية إلى الإيفانجليكية البروتستانتية بنسختها الأميركية وضع سياسات الهوية في مركز الجدل السياسي، وذلك لصالح اليمين والمحافظين الجديد. كل هذا، بالإضافة إلى عجز اليسار اللاتيني عن الوفاء بوعوده الاجتماعية بالكامل، مهد للانزياح الحاد نحو اليمين. بندول السياسة في القارة اللاتينية صعد إلى أعلى نقطة في هذه الجهة، لكنه على الأغلب سيعود ليضرب بأقصى قوته في الجهة المقابلة

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث