تكتمل الدائرة، وكأنها لعبة الكراسي الموسيقية، مصر التي كانت تصدر الغاز لإسرائيل، تستورده منها اليوم، وتمدد اتفاقاً قائماً بعقد أكبر صفقة غاز في التاريخ، حسب الحكومة الإسرائيلية. طموحات القاهرة أن تكون مركزاً إقليميا للطاقة تنقلب رأساً على عقب، بعد أن وصلت هشاشة الأمن الطاقي في البلاد إلى مرحلة حرجة، دفعت في الأعوام القليلة الماضية إلى قطع الكهرباء بشكل يومي وتعطيل قطاعات صناعية أجبرت على تحمل خسائر باهظة. أزمة الطاقة المصرية تقدم مثالاً نموذجياً، على التخطيط قصير النظر وقصير النفس، والإدمان على الريع من تصدير الموارد الطبيعية وتبديد المستقل بأثمان بخسة في الحاضر.
بمنطق الحلول الطارئة نفسه، تعالج القاهرة أزمة مجال الطاقة بتسليم مفاتيح أمنه إلى تل أبيب. وفي سبيل ذلك، لا تمانع في منح الحكومة الإسرائيلية صورة انتصار معتبر في معركة العلاقات العامة، على خلفية العزلة المعنوية التي بدأت تضرب من حولها بسبب الإبادة الجارية في غزة، وجرائم الحرب المرتكبة ضد سكان القطاع. مجاناً، تقدم القاهرة بالنيابة عن تل أبيب صك ضمان للأسواق التي بدأت في النظر إلى إسرائيل بوصفها مصدراً للقلاقل وعدم الاستقرار في المنطقة، لا شرطي لها وضامناً للأمن والمصالح الغربية فيها، كما يفترض بها أن تكون.
لا تعني صفقة الغاز مجرد عملية تبادل تجاري، بل والأهم التوسع في البنية التحتية لنقل الغاز بين مصر وإسرائيل والأردن. مركزة تل أبيب في المنطقة، بوصفها عقدة الوصل الإقليمي والهيمنة الإمبراطورية، تتخذ أشكالاً مادية عبر شبكة من أنابيب نقل ومراكز تسييل وإعادة تغويز وموانئ للتصدير تقع الحقول الإسرائيلية في القلب منها، وتملك هي مفاتيح مضخاتها.
الغاز الإسرائيلي رخيص بلا شك. وفي الظاهر تبدو الاعتمادية متبادلة والمنفعة أيضاً، فإسرائيل لا تملك منافذ للتصدير مجزية اقتصادياً سوى عبر مصر أو إليها، والقاهرة تعاني من نقص في العملة الصعبة، وفي حاجة ملحة لأسعار تفضيلية في بورصة الغاز المضطربة منذ اندلاع الحرب الأوكرانية. لكن في الواقع، لا يمثل تصدير الغاز سوى نسبة متواضعة من الاقتصاد الإسرائيلي. بل وبالنسبة لنتنياهو، بحسب عقيدة أسبرطة أو بالأحرى "سوبر أسبرطة" كما سماها، لا تحتاج إسرائيل لتصدير غازها، والأفضل وضع سقف لمستويات التصدير بالنظر إلى المستقبل، حيث ستحتاج أسبرطة الحديثة كافة مواردها الطبيعية لتكون قادرة على الصمود في وسط معادٍ، وذلك عبر الاكتفاء الذاتي في كافة المجالات، وعلى رأسها الأمن الطاقي. يتعلق تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي في اعتماد الصفقة مع مصر بتلك الخلفيات الداخلية، بقدر ما هو استعراض لعقاب القاهرة على موقفها من تهجير سكان غزة .
حسم التدخل الأميركي التردد في تمرير الصفقة لعدة شهور، بعد ما ضغطت واشنطن على الحكومة الإسرائيلية من أجل توقيعها أخيراً ومنح رخصة توسيع حقلي "تمار" و"ليفياثان" لشركة "شيفرون" الأميركية. لدى الحكومة الأميركية دوافع عدة للتدخل. شعار ترامب "إطلاق العنان للطاقة" لا يبدو متعلقاً بالطاقة الأميركية فقط، أو بمعنى آخر لا يقتصر على الوقود الأحفوري المستخرج من الولايات المتحدة، بل يشمل عمليات الشركات الأميركية وراء البحار. بالصدفة تتلاقى مصلحة لوبي الطاقة الأميركي ممثلاً في شركة "شيفرون" مع حاجة مصر لغاز رخيص. ثمة شركاء آخرين للشركة الأميركية، من بينهم شركة "مبادلة" الإماراتية.
هكذا تخدم الصفقة أيضاً المصالح الاقتصادية لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج. بأشكال مادية ورمزية، تكشف الصفقة الغاز الإسرائيلية-المصرية عن جوهر التشكيل الأميركي للنظام الإقليمي وفاعلية المشروع الصهيوني الاستعماري في القلب منه، بحيث تصبح المنطقة بأكملها سوقاً مفتوحاً لاستغلال الموارد وحركة رأس المال بلا عوائق.
