حرمان الأم من الوصاية هو حرمان الدول من مستقبلها

ميشال شمّاسالأربعاء 2025/12/24
Image-1766515118
لتعديل القوانين بما ينسجم مع الإعلان الدستوري والالتزامات الدولية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار التعميم رقم /17/ الصادر عن وزارة العدل والمتعلق بالولاية على الأولاد القُصّر موجة واسعة من الجدل، ليس بسبب حساسية اجتماعية أو ردود فعل عاطفية كما يحاول البعض تبسيط المسألة؛ بل بسبب أسئلة قانونية عميقة تتعلق بمشروعية هذا التعميم من حيث مصدره وحدود سلطته وآثاره على حقوق الأسرة والطفل. فالقضية ليست نقاشًا حول وجود نصوص سابقة في قانون الأحوال الشخصية، بل حول ما إذا كان يحق لسلطة تنفيذية أن تقرر عبر تعميم إداري، مسألة قانونية هي في صميم الاختصاص القضائي، وأن تُقيّد سلطة القاضي التقديرية في قضايا تمسّ جوهر الحقوق الأسرية ومصلحة الطفل.

فعندما يصدر تعميم يفرض ترتيباً وصائياً جامداً يبدأ بالأب ثم سلسلة طويلة من الأقارب الذكور، دون ترك أي مساحة لتقدير القاضي، فإن ذلك لا يُعد تفسيراً للقانون ولا تنظيماً إدارياً، بل تدخلاً مباشراً في صميم عمل القضاء، ومساساً بمبدأ الفصل بين السلطات. فالتعميم هنا لا يوجّه القاضي، بل يصادر قراره مسبقاً، ويحوّله من سلطة تقدير إلى منفّذ حرفي، وهو ما يؤكد عدم المشروعية من حيث المصدر والاختصاص، ويجعل التعميم أقرب إلى ممارسة تشريعية مقنّعة لا يملك الوزير صلاحية القيام بها أساساً.

 

وبالعودة إلى قانون الأحوال الشخصية السوري، وتحديداً المواد من 170 إلى 173، يتضح أن المشرّع منح القاضي الشرعي سلطة تقديرية واسعة في مسائل الوصاية، بما في ذلك إمكانية إسنادها للأم عند وفاة الأب أو غيابه أو عدم أهليته، فضلاً عن جواز ضمّ الحضانة إلى الوصاية إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك. كما منحت المادة 173 القاضي سلطة تقديرية شاملة في جميع ما يتعلق بشؤون القاصر، مؤكدة أن مصلحة القاصر هي الأساس في كل قرار. وهذا الإطار القانوني وحده يكفي لإثبات أن التعميم رقم /17/ لا يفسّر القانون، بل يعطّله، ويصادر سلطة القاضي التي منحها له المشرّع صراحة.

وبناءً على هذه المواد، منح القضاء السوري الوصاية للأم في حالات عديدة، ولا سيما عند وفاة الأب أو غيابه، استناداً إلى مبدأ مصلحة الطفل الفضلى. وهذا النهج ينسجم مع ما هو معمول به في أغلب الدول العربية كمصر والسعودية والأردن، حيث تُسند الولاية الأصلية للرجال، لكن تُمنح الأم الوصاية أو تُعيَّن وصية بقرار قضائي عندما يكون ذلك هو الخيار الأنسب لحماية القاصر وضمان استقراره. بينما التعميم جاء ليغلق هذا الهامش تماماً، ويُلغي أي اجتهاد قضائي إيجابي، ما يجعله تراجعاً فعلياً عن ممارسة قضائية تطورت استجابة لقصور القانون. وهذا الإلغاء المقنّع للاجتهاد القضائي يخلق فراغًا قانونيًا خطيرًا، ويحوّل القضاء إلى جهة تنفيذية لا تملك سلطة حماية الطفل عندما تتطلب الظروف ذلك.

 

وإلى جانب إشكالية الاختصاص، فإن التعميم يتعارض مع مبدأ مصلحة الطفل الفضلى الذي التزمت به سوريا بانضمامها إلى اتفاقية حقوق الطفل. فالتعميم يعتمد معياراً واحداً لتحديد الولاية: العصبة الذكورية، بغضّ النظر عن واقع الرعاية الفعلية أو الاستقرار النفسي أو العلاقة اليومية بين الطفل ومن يتولى شؤونه. وبهذا، يُقصي الأم حتى وإن كانت الحاضنة والمسؤولة فعلياً عن الطفل، ويضع مصير الطفل بيد أقارب قد لا تكون لهم أي صلة عملية بحياته. وهذا النهج لا يحقق مصلحة الطفل، بل يعرّضه لاضطراب قانوني ونفسي، ويتناقض مع جوهر الحماية التي يفترض أن توفرها الولاية، والتي تقوم على الرعاية الفعلية لا على رابطة الدم وحدها.

كما يتضمن التعميم تمييزاً واضحاً على أساس الجنس، إذ يفترض ضمنيًا نقص أهلية الأم القانونية لمجرد كونها امرأة، ويمنح الأفضلية القانونية لأقارب ذكور حتى لو كانوا أبعد صلة بالطفل منها. وهذا التمييز يتعارض مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في الإعلان الدستوري، ومع المادة الثانية من اتفاقية حقوق الطفل التي تحظر التمييز، ومع المبادئ الدولية التي تؤكد المسؤولية الأبوية المشتركة. فالمساواة لا تعني إلغاء دور الأب، بل رفض إقصاء الأم كفاعل قانوني كامل في حياة أبنائها. ومن غير المقبول قانونياً أن تُعامل الأم كطرف ناقص الأهلية بينما تُمنح الولاية لرجال قد لا يعرف الطفل أسماءهم.

 

ومن زاوية فقهية، لا يستند التعميم إلى إجماع أو إلى قراءة راسخة. فمدونة الأسرة المغربية، المستندة إلى المذهب المالكي، تمنح الأم حق الولاية والوصاية في حالات عديدة، وتعتبر النساء شقائق الرجال في الأحكام. كما أن المذهبين الحنبلي والشافعي يجيزان للأم الوصاية على أموال أولادها. وهذا يعني أن التعميم لا يستند إلى فقه واضح، بل إلى قراءة انتقائية تُعيد إنتاج الهيمنة الذكورية تحت غطاء ديني، بينما الفقه الإسلامي نفسه أكثر تنوعاً ومرونة مما يعكسه التعميم.

كما أن حرمان الأم يفتح الباب أمام نزاعات قانونية واجتماعية بين الأمهات وأقارب الأب، خصوصاً في حالات غياب الأب أو وفاته أو تفكك الأسرة. وفي هذه الحالات، يجد الأطفال أنفسهم خاضعين لقرارات يتخذها أشخاص قد تكون صلتهم بهم شكلية أو بعيدة عن واقع رعايتهم، بما لا يراعي بالضرورة مصلحتهم المباشرة أو استقرارهم النفسي. وهذا يخلق بيئة قانونية مضطربة، ويزيد من احتمالات النزاع داخل الأسرة، ويضع الطفل في قلب صراع لا ذنب له فيه.

 

أن يصدر هذا التعميم اليوم، في ظل وجود آلاف وربما عشرات الآلاف من النساء السوريات المعيلات الوحيدات لأسرهن، هو أمر يصعب تبريره قانونياً أو أخلاقياً. فهؤلاء النساء حملن عبء الدولة في غيابها، وتكفّلن وحدهن بتأمين حياة أطفالهن وتعليمهم ورعايتهم، في ظروف قاسية لا تخفى على أحد. ومع ذلك، يأتي التعميم ليجردهن من حق طبيعي وبديهي، ويمنح الوصاية لأقرباء ذكور قد لا يكون لهم أي دور فعلي في حياة الأطفال. إن مكافأة النساء اللواتي صمدن وحمين أسرهن بحرمانهن من الوصاية ليست فقط ظلماً قانونياً، بل إهانة أخلاقية وتجاهلاً لواقع اجتماعي لا يمكن القفز فوقه.

ورغم التوضيح الصادر عن القاضي الشرعي الأول بدمشق، الذي حاول الدفاع عن التعميم بالقول إنه جاء لتبسيط الإجراءات وتيسير معاملات جوازات السفر وإذن السفر للقاصرين، وأن وصاية الأم لم تُلغَ، إلا أن هذا التوضيح خلط بين التيسير الإداري والحق القانوني. فتبسيط استصدار جواز سفر لا يعني الاعتراف بوصاية الأم، لأن الوصاية على القاصر لا تختزل بإجراء واحد، بل تشمل إدارة شؤونه القانونية والمالية واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بحياته. أما الادعاء بأن وصاية الأم ما زالت قائمة “كما كانت”، فيتجاهل أن التعميم  حرم الأم من التسهيلات التي كانت مطبقة خلال السنوات السابقة وقيّد سلطة القاضي التقديرية وأغلق باب الاجتهاد الذي كان يتيح حماية مصلحة الطفل في الحالات الخاصة.

 

إن مبدأ مصلحة الطفل الفضلى، الذي يفترض أن يكون حجر الأساس في أي تشريع يتعلق بالقاصرين، لا يمكن أن يتحقق بإقصاء الطرف الأكثر التصاقاً بحياة الطفل ورعايته. ومن هنا، فإن الوقت قد حان لتعديل القوانين بما ينسجم مع الإعلان الدستوري والالتزامات الدولية، ويقرّ بحق الأم الحاضنة في الوصاية على أولادها، ولا سيما في حال وفاة الأب، باعتبارها الخيار الطبيعي والأقرب لتحقيق مصلحة الأطفال وحمايتهم.

وفي النهاية، فإن حرمان الأم من الوصاية ليس مجرد ظلم قانوني، بل إقصاء فعلي لأكثر من نصف المجتمع، لأن الضرر يصيب الأطفال ذكورًا وإناثًا قبل أن يصيب النساء أنفسهن. فالمجتمع الذي لا يرى الأم، لا يرى أبناءها، ولا يرى مستقبله. والقوانين التي تُقصي الأم عن دورها الطبيعي لا تحمي الطفل، ولا تحمي الأسرة، ولا تبني دولة عادلة. 

حرمان الأم من حق الوصاية على أولادها ليس فقط ظلماً للأم، بل خراباً لمستقبل الدولة، لأن الدول تُبنى على حماية أطفالها لا على إقصاء من يرعاهم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث