لم يكن الهجوم الذي استهدف الجالية اليهودية في مدينة سيدني الأسترالية الأحد الماضي حدثاً أمنياً معزولاً، بل شكّل، منذ لحظاته الأولى، اختباراً جديداً لمدى قدرة الآلة الإعلامية الإسرائيلية وحلفائها على إعادة إنتاج خطاب الخوف، وتدوير سردية الإسلاموفوبيا في الفضاء الغربي. ورغم الإجماع الإنساني على أنّ ما جرى هو عمل إرهابي مدان استهدف مدنيين أبرياء لا علاقة لهم بسياسات حكومة الاحتلال، فإنّ سرعة توجيه الاتهام ومحاولة ربط الحدث بالإسلام، عكست إصراراً سياسياً على استثمار الدم خارج فلسطين لتبرير ما يُرتكب داخلها.
غير أنّ ما لم تحسب له هذه السردية حساباً، هو أنّ الزمن تغيّر، وأنّ المجتمعات الغربية، ولا سيما أجيالها الشابة، باتت أكثر وعياً وأقل قابلية للانجرار خلف روايات جاهزة تُبنى على الخوف والتعميم. وقد جاء الفعل البطولي لأحمد الأحمد، المواطن الأسترالي من أصل سوري، المسلم، البالغ من العمر 43 عاماً، ليشكّل ضربة قاصمة لهذا الخطاب، لا على مستوى الرمزية فحسب، بل على مستوى الواقع السياسي والثقافي.
توظيف إسرائيلي تقليدي في زمن غير تقليدي
سارعت وسائل الإعلام الإسرائيلية، فور وقوع الهجوم، إلى إدراجه ضمن إطار "تصاعد معاداة السامية"، في محاولة لإعادة توجيه بوصلة النقاش الدولي بعيداً عن الحرب المستمرة على غزة، وما خلّفته من دمار واسع وعزلة سياسية متزايدة لحكومة بنيامين نتنياهو. هذا التوظيف، كما في محطات سابقة، اعتمد على خلط متعمّد بين الإرهاب والدين، وبين العنف الفردي والإسلام كمنظومة قيم.
في لحظة رعب جماعي، تقدّم أحمد الأحمد خطوة إلى الأمام. لم يحمل سلاحاً، ولم يرفع شعاراً، ولم يسأل عن هوية الضحايا، بل تصرّف بدافع إنساني خالص، مخاطراً بحياته لوقف المهاجم وحماية أبرياء. هذا الفعل، الذي وثّقته الكاميرات وتداولته وسائل الإعلام العالمية، لم يكتفِ بإفشال الجريمة، بل أفشل أيضاً محاولة توظيفها سياسياً.
لقد وجد الخطاب المعادي للإسلام نفسه فجأة أمام معادلة صعبة: بطل القصة مسلم، مهاجر، سوري الأصل، يجسّد القيم التي يُفترض أن الغرب يدافع عنها من شجاعة ومسؤولية مدنية وتضامن إنساني. وهنا تحديداً، بدأ الانهيار الفعلي لسردية الإسلاموفوبيا، لا لأنّها وُوجهت بخطاب مضاد، بل لأنها وُوجهت بفعل لا يمكن إنكاره أو الالتفاف عليه.
تآكل السرديات الجاهزة
الأهم من الحدث نفسه، كان حجم التفاعل الشعبي، ولا سيما بين الشباب الغربي، الذين لم يتلقوا الرواية الإسرائيلية بوصفها حقيقة مطلقة، بل تعاملوا معها بنقد وتشكيك.
فقد تفاعلت منصات التواصل بتعليقات تشيد بشجاعة أحمد الأحمد، وتؤكد أنّ ما فعله يمثّل الإسلام الحقيقي.
هذا التفاعل يعكس تحوّلاً أعمق في الوعي الغربي، حيث باتت الأجيال الجديدة أكثر حساسية تجاه التلاعب الإعلامي، وأكثر قدرة على الفصل بين الإرهاب كجريمة، وبين الأديان والثقافات. وهو تحوّل يضعف، يوماً بعد يوم، قدرة إسرائيل على استخدام فزّاعة "الإرهاب الإسلامي" كأداة سياسية فعّالة.
رسائل تتجاوز الحدث
لم يقتصر هذا التحوّل على الرأي العام، بل انعكس أيضاً في المواقف الرسمية. فقد أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشجاعة أحمد الأحمد، معتبراً أنّ ما قام به يعبّر عن قيم إنسانية عالمية تتجاوز الانقسامات الدينية. أما رئيس الوزراء الأسترالي، فأكد أنّ تصرّف الأحمد يجسّد جوهر القيم الأسترالية، مشدداً على أنّ الإرهاب لا دين له، وأنّ ربطه بالإسلام أو بأي جماعة بعينها هو تبسيط خطير ومرفوض.
هذه التصريحات، مهما اختلفت خلفيات أصحابها السياسية، تحمل دلالة واضحة: هناك إدراك متزايد بأنّ خطاب التعميم لم يعد مجدياً، وأنّ المجتمعات الغربية لم تعد تتقبّل بسهولة شيطنة جماعية باسم الأمن.
في المقابل، صدرت إدانات إسلامية صريحة للجريمة، أكدت أنّ استهداف المدنيين محرّم شرعاً ومرفوض أخلاقياً، وأنّ الإرهاب يتناقض جذرياً مع تعاليم الإسلام. إلا أنّ هذه الإدانات، على أهميتها، بدت هذه المرة مكملة لا أساسية، لأنّ الفعل سبق القول، والواقع سبق الخطاب.
نهاية مرحلة
ما جرى في سيدني يتجاوز كونه حادثاً أمنياً أو قصة بطولة فردية. إنه مؤشر على تحوّل أوسع في ميزان السرديات.
فالإسلاموفوبيا، التي استُخدمت طويلاً كأداة سياسية وإعلامية، تتراجع اليوم أمام وعي متنامٍ، وأمام نماذج بشرية حقيقية يصعب اختزالها في صور نمطية.
قد تستمر محاولات تأجيج الخوف، وقد تتكرر الأحداث، لكنّ ما تغيّر هو الجمهور. وفي عالم باتت فيه الصورة والفعل أقوى من العنوان الافتتاحي، يصبح من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لقد حاولت بعض القوى تحويل هجوم سيدني إلى وقود جديد للكراهية، لكنّها وجدت نفسها أمام حقيقة مغايرة: بطل مسلم، ووعي شاب، وسردية قديمة تسير، على ما يبدو، نحو غير رجعة.
