التصوير في المعتقلات: إهانة للضحايا ومتاجرة بآلامهم

ميشال شمّاسالأربعاء 2025/12/17
Image-1765914608
عبث مباشر بالمشهد الأصلي للجريمة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

فتح مراكزالاعتقال الأسدية أمام شركات الإنتاج والممثلين، وتصوير مشاهد داخل أماكن شهدت التعذيب والإخفاء القسري والموت، ليست مجرد خطوة فنية أو حدث درامي عابر. بل هي خلل أخلاقي وقانوني عميق في مقاربة المرحلة الانتقالية. هذه الأماكن، التي لا تزال آلاف العائلات تنتظر أن تُفتح لكشف مصير أحبائها، تُحوَّلت فجأة إلى "لوكيشن" تصوير، وكأنها فراغ بلا ذاكرة أو أدلة. والأخطر أن هذا يحدث قبل بدء أي مسار عدالة حقيقي: لا تحقيقات مكتملة، ولا لجان مستقلة، ولا بروتوكولات واضحة لحماية الأدلة. وهذا وحده كافٍ ليجعل أي خطوة من هذا النوع أقرب إلى طمس الحقيقة منه إلى مقاربتها أو روايتها.

 

في تجارب العدالة الانتقالية الجدية حول العالم، مثل الأرجنتين ورواندا وجنوب افريقيا، عُوملت السجون السرية ومراكز الاعتقال بوصفها أدلة جنائية أساسية. كل جدار فيها قد يحمل أثراً، كل غرفة قد تروي رواية لم تُكتب بعد، وكل باب قد يكون آخر ما لمسه معتقل قبل اختفائه. لهذا، تم ختم هذه المواقع وحفظت وتم توثيقها بدقة قبل أي استخدام رمزي أو ثقافي.

إن تصوير المعاناة قبل توثيقها والتحقق منها ليس مجرد خطأ تقني، بل عبث مباشر بالمشهد الأصلي للجريمة، يغيّر ترتيب المكان ويشوّه الذاكرة المادية ويضعف أي تحقيق لاحق. وهو في جوهره قضية أخلاقية واجتماعية وسياسية، لأن الاعتبار الأخلاقي يحتم على الدولة الجديدة أن تتعامل مع هذه المواقع بعناية، وأن تمنحها المكانة التي تستحقها كمسارح جريمة لا كخلفية للدراما.

 

السماح بالتصوير داخل السجون ومراكز الاعتقال في مرحلة انتقالية هشّة يرسل رسالة سياسية خطيرة: أن الماضي يمكن التعامل معه كملف منتهٍ أو رمزي، لا كقضية قانونية تتطلب مساءلة. وهذا يفتح الباب أمام تمييع المسؤولية القانونية عن الجرائم السابقة، وإزالة القدسية عن أماكن الجريمة، وصناعة سرديات فنية تحجب الحقيقة أو تقلل من فظاعة الانتهاكات. كل ذلك يتناقض جذرياً مع مفهوم العدالة الانتقالية، التي تبدأ بخطوة بسيطة لكنها حاسمة، وهي احترام مسارح الجريمة كأدلة قبل أي شيء آخر.

ما يزيد الجرح عمقاً أن عشرات الألاف من العائلات التي تنتظر منذ سنوات خبراً واحداً عن مصير أبنائها، لم يُسمح لها بالاطلاع على هذه الأماكن أو زيارتها. في المقابل، تُفتح الأبواب أمام الكاميرات، والإضاءة، والديكور، والممثلين. هذا التناقض الفجّ يحوّل الألم إلى مادة استهلاكية، ويجرّد المكان من قدسيته بوصفه شاهداً على جريمة لا تزال مفتوحة. إن تصوير المعاناة قبل توثيقها والتحقق منها يجعل من الدراما أداة تبييض للواقع بدل أن تكون أداة كشف للجرائم.

فإذا كانت شركات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي صادقة في ادّعائها وحريصة على إظهار معاناة الضحايا وذويهم، وإذا كان هدفها فعلاً نقل صورة الألم لا استثماره، فهناك خيار بديهي وأخلاقي، أن تقوم ببناء ديكور لسجن أو مركز اعتقال، كما يحدث في كل صناعات الدراما حول العالم. وبناء موقع تصوير لا يكلّف شيئاً يُذكر مقارنة بميزانيات هذه الأعمال، ولا يحتاج إلى اقتحام أماكن حقيقية شهدت جرائم لم يتم التحقيق فيها بعد، والواقعية لا تتطلب العبث بمسرح الجريمة، بل احترامه.

 

الإصرار على التصوير داخل السجون الحقيقية لا يُقرأ بوصفه بحثاً عن "الصدق الفني"، بل بوصفه استسهالاً أخلاقياً، واستثماراً مباشراً في رمزية الألم بدل تحمّل كلفة إنتاج تحترم الضحايا وذاكرتهم. فالفن الحقيقي لا يحتاج إلى الدوس على الجرح ليكون صادقاً، ولا إلى تحويل أماكن التعذيب إلى خلفيات بصرية ليُقنع جمهوره. على العكس، الفن الأخلاقي يبدأ حين يعرف حدوده، وحين يميّز بين تمثيل المعاناة واحترامها.

في خضم هذا العبث، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: أين موقف الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وأين الهيئة الوطنية للمفقودين؟

فهاتان الهيئتان وُجدتا أساساً لحماية الحق في كشف الحقيقة وصون الأدلة ومنع أي عبث بمسارح الجريمة، لا لمراقبة تحويلها إلى مواقع تصوير. كان يفترض بهما أن يكونا أول من يطالب بختم السجون والفروع الأمنية، ومنع دخول أي جهة غير مختصة، ووضع بروتوكولات صارمة للتعامل مع هذه المواقع بوصفها أدلة جنائية وذاكرة وطنية. هذا الصمت الذي يلفّ موقفهما اليوم يطرح تساؤلات مقلقة ومشروعة، هل هو عجز مؤسسي؟ أم حسابات سياسية؟ أم قبول ضمني بتأجيل ملف العدالة والتعامل معه كملف رمزي يمكن الالتفاف عليه؟

كما يبرز تساؤل إضافي لا يقل أهمية: أين هي روابط عائلات الضحايا والمعتقلين الذين لم يتركوا مناسبة إلا وادّعوا أنهم صوت الضحايا؟ لماذا لا يتحركون اليوم لرفع دعاوى مستعجلة ووقف هذه المتاجرة بالكرامة والذاكرة وألم الناس؟ إن غيابهم في هذه اللحظة يضع علامات استفهام على جدية دورهم، ويجعل الضحايا بلا صوت في أكثر القضايا حساسية.

 

لا يمكن بناء مستقبل عادل فوق أماكن جرى العبث بها. ولا يمكن رواية القصة قبل تثبيت الحقيقة. ولا يمكن تحويل مسارح الجريمة إلى مواقع تصوير قبل أن تتحول إلى مواقع تحقيق وذاكرة ومساءلة. لكل ذلك فإن وقف التصوير داخل السجون ومراكز الاعتقال، وختم هذه المواقع، ووضعها تحت إشراف قضائي مستقل، هو شرط أولي لأي عدالة انتقالية جدية. وما دون ذلك ليس مجرد خطأ في التقدير، بل إهانة للضحايا، وتفريط بحق ذويهم، ورسالة مقلقة عن طبيعة المرحلة المقبلة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث