في الذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد وفراره إلى روسيا، عنونت مواقع إعلامية غربية نصوصها بالقول: سنة وسوريا من دون الأسد ومن دون بوتين. لكن بوتين لم ينتظر سوى أسابيع، حتى أرسل إلى دمشق ممثليه في مهمة مزدوجة الأهداف: رفض مساواته بالهزيمة مع الأسد، ومحاولة الاحتفاظ بالقاعدتين الروسيتين في سوريا. ولم تكن المهمة الأولى تقل أهمية عن الثانية، بل كانت في الفترة الأولى الهاجس الأول للكرملين الذي "لا يمكن أن يهزم". وتمسك الإعلام والمسؤولون الروس في تلك الفترة بتأكيد أنه لم يكن على العسكريين الروس في سوريا أن يقاتلوا بدلاً عن الجيش السوري.
بعد أيام من سقوط الأسد، عقد بوتين في 19 كانون الأول/ ديسمبر مؤتمره الصحافي السنوي المعتاد الذي يدعى إليه صحافيون أجانب. وخلال المؤتمر اندلع جدال بين بوتين والصحافي كير سيمونس (Keir Simmons) من قناة التلفزة الأميركية NBCبشأن هزيمة روسيا في سوريا. كان الجدال يجري مباشرة على الهواء، وقال بوتين إن الوضع الذي نشأ في سوريا الآن لا يمكن إعتباره هزيمة لروسيا. بل أكد أن روسيا حققت أهدافها في سوريا من خلال منع نشؤ جيب إرهابي هناك.
وفي إطار تبرير عدم تدخل القوات الروسية إلى جانب جيش الأسد ضد قوات المعارضة، قال بوتين إن حلب سقطت على يد 350 مقاتلاً بمواجهة 30 ألفاً من القوات الرسمية والوحدات التابعة لإيران، والذين انسحبوا من دون قتال. وقال إن هذا ما حدث لاحقاً في كل أنحاء سوريا، "مع إستثناءات قليلة"، حسب موقع Lenta.ru الروسي في 19 كانون الأول 2024.
سوريا التي تركها الأسد مدمرة إنساناً وعماراً واقتصاداً، لم تكن تتيح للسلطات الجديدة رفاهية الاختيار. وقررت دمشق التجاوب مع مساعي بوتين للتواصل معها من أجل الحفاظ على بعض ما حصل عليه من الأسد، والتبرؤ من هزيمة الأخير. وبلغ الأمر بالسلطات الجديدة أن تفادت، حتى في زيارة الشرع للكرملين، عدم إحراج بوتين بالمطالبة بتسليمها السفاح بشار الأسد، على ما ذهب إليه معظم الإعلام. ولا تستقيم بالطبع المقارنة بين حزمها في القطع مع نظام الملالي، الشريك الآخر لبوتين في قتل السوريين، والبراغماتية البارزة في التعامل مع بوتين.
الخبراء الغربيون يدركون بالطبع عمق الهزيمة التي لحقت بالكرملين نتيجة انهيار نظام الأسد، ومدى تراجع النفوذ الروسي في المنطقة، والذي كان نظام الأسد ركيزته الأساسية. وكما كان يكرر بوتين وإعلامه بأنه لم يأت إلى سوريا لإنقاذ شخص الأسد، أو لإنقاذ نظامه الذي استخدمه بوتين منصة للعودة إلى الشرق الأوسط، بل لاستعادة روسيا مكانة الدولة العظمى التي كانت تحتلها بجدارة في العهد السوفياتي.
كما يدرك الخبراء أيضاً الأسباب التي تقف وراء براغماتية دمشق في بناء علاقات الضرورة مع الكرملين. وحين ينشرون في الإعلام نصوصهم المتسائلة عن سرعة عودة بوتين إلى سوريا، ولماذا لم تقطع دمشق علاقاتها مع روسيا كما قطعتها مع إيران، فهم يحاولون شرح الأسباب والدوافع التي أجبرت دمشق على ذلك، وليس حباً بدمشق، بل للإضاءة على محاولات بوتين استعادة نفوذه في الشرق الأوسط، والذي كاد يتلاشى مع انهيار الأسد.
تجمع المواقع الإعلامية التي تحدثت عن السنوية الأولى لسقوط الأسد على الإشارة إلى النجاحات الخارجية الكبيرة التي حققها الشرع خلال هذه السنة، وإلى الفشل في تحقيق ما يُذكر في الداخل، بل وسيطرة القلق من إسلامية السلطة وميلها إلى الديكتاتورية.
لم يشذ عن هذا الإجماع موقع الخدمة الروسية في راديو فرنسا الدولي rfi، والذي تساءل في نص نشره في 9 الجاري عن أسباب عدم قيام الشرع بالقطع مع بوتين.
قال الموقع إن "سوريا الجديدة" قد وسعت آفاقها الدبلوماسية، لكن من دون أن تقطع العلاقات مع حليف الأسد الكرملين، الذي لا يزال يحتفظ بقاعدتي طرطوس وحميميم ويأوي الديكتاتور السوري الفار.
يعدد الموقع ارتكابات الكرملين بحق السوريين دفاعاً عن نظام الأسد، ويسأل الخبير في شؤون الشرق الوسط والباحث في المعهد الفرنسي للتحليل الإستراتيجي ديفيد ريجول-روز (David Rigule-Roz) عن سبب عدم قيام دمشق بالقطع مع موسكو على الرغم من كل الارتكابات.
رأى الخبير أن ذلك يشهد على المستوى العالي من البراغماتية. إذ لكل طرف مصالحه التي يرى أنه يجب أن يأخذها بالحسبان. ويقول: يبدو أنه أثناء عملية الإطاحة بالأسد، جرت مفاوضات سرية بين الجولاني الذي أصبح الشرع الآن وبين الروس، من أجل ضمان أمن القاعدتين الروسيتين مقابل "حياد" روسيا.
يشير الخبير إلى أن عقد إيجار القاعدتين الروسيتين في سوريا لم يتم تمديده رسمياً حتى الآن، كما لم يتم طردهما أيضاً. وفسر ذلك بقناعة دمشق بأن الوجود الروسي في سوريا يكبح جماح الرغبة الإسرائيلية في اجتياح الجنوب السوري، وكذلك الرغبة التركية في اجتياح الشمال.
وعن تأثير سقوط الأسد على النفوذ الروسي في المنطقة، قال الخبير إن نظام الأسد كان نقطة ارتكاز عودة روسيا إلى ما يسمى بلاد الشام. وسقوط الأسد يعتبر هزيمة استراتيجية، تحاول موسكو التقليل منها بادعاء الرغبة في إقامة علاقات مع نظام الشرع.
موقع meduza الروسي المعارض نشر في 8 الجاري موجزاً لمقابلة واسعة نشرها في اليوم عينها بالإنكليزية، مع الخبيرة الأميركية في شؤون السياسة الدولية حنة نوت (Hannah Notte). رأى الموقع أن روسيا أقامت بسرعة علاقات مع السلطات الجديدة في سوريا. ونقل عن الخبيرة تعداد الأسباب التي ترى بأنها منعت السلطات السورية الجديدة من قطع العلاقات مع روسيا.
رأت الخبيرة أن السبب الأول يتمثل في عضوية روسيا الدائمة في مجلس الأمن الدولي، إذ يمكن أن تقدم الدعم لسوريا، وخصوصاً مساعدتها في جعل المجتمع الدولي يتوقف عن اعتبار السلطة السورية إرهابية. وقد صوتت روسيا إلى جانب مشروع القرار الأميركي برفع العقوبات عن أحمد الشرع في 7 الشهر المنصرم.
ثانياً، روسيا ما زالت شريكاً اقتصادياً لسوريا: تطبع العملة السورية، تزود سوريا بالنفط ومحروقات الديزل والحبوب. كما أن الجيش السوري يحمل بصورة أساسية السلاح السوفياتي والروسي.
ثالثاً، التعاون مع روسيا يمنح سوريا الفرصة للقول لشركائها الآخرين (الولايات المتحدة، تركيا ودول الخليج) بأنها لا تعتمد على أي منهم كلياً، بل لديها خيارات أخرى.
تشير الخبيرة إلى تراجع نفوذ روسيا عما كان عليه في ظل الأسد. فقد فقدت القوات الروسية حرية العمل التي كانت تتمتع بها، وبات عليها الآن تنسيق تحركاتها مع الأجهزة الأمنية السورية. لكن من جانب آخر، فقد استؤنفت الرحلات الجوية إلى القاعدة الجوية في حميميم، ما يعني استمرار الوجود الروسي في سوريا.
لا تنسى الخبيرة من أن تشير إلى بديهية تباين مواقف السوريين تجاه روسيا. فالكثيرون يكرهونها بسبب ما ارتكبته من قتل وتدمير في غاراتها الجوية الداعمة للأسد، بينما يراها آخرون قوة عظمى لا تستحق العداء. علاوة على ذلك، لا تتبنى روسيا أجندة عرقية أو طائفية خاصة بها في سوريا، على عكس إيران التي تدعم الشيعة والعلويين، وتركيا التي تحارب الأكراد.
تنتهي الخبيرة إلى القول إن الشراكة الروسية ليست أولوية بالنسبة لسوريا، إذ أنها عاجزة عن تقديم الاستثمارات التي تحتاجها بشدة.
