قبل سنة بدأت بالظهور إلى العلن الشخصيات الرئيسة في هيئة تحرير الشام التي تسلمت السلطة في دمشق، بل يصحّ القول إن هذه الشخصيات غزت بكثافة غير مسبوقة عالم السوشيال ميديا. كانت لحظة اكتشاف بالنسبة لمعظم السوريين الذين لا يعرفون الكثير، أو حتى القليل، عن هؤلاء الجهاديين. بل إن الكثير منهم كانوا يضعون الهيئة في موقع الخصم، سواء أكانوا من أنصار الثورة على الأسد، أو من الفئات الصامتة، وصولاً إلى الخاضعين لحكم الهيئة في إدلب التي شهدت انتفاضة ضدها في ربيع عام 2024.
إنهم يشبهوننا. هذا ما راح يُقال عن رجال الهيئة، ثم عن النساء القلائل اللواتي ظهرن إلى جانبهم. كانت الرسالة واضحة، فالقول "إنهم يشبهوننا" ينطوي على التبرؤ من قادة العهد البائد الذين "لا يشبهوننا". لكن هذا لا يمنع الانتباه إلى رسالة أخرى، ينطوي عليها تأكيد خصوم الهيئة في الأمس على شبه اليوم، مفادها اكتشافهم أن قادتها بشر كالآخرين، وليسوا وحوشاً كما صوّرتها لهم خيالاتهم. التأكيد على "أنهم يشبهوننا" كانت وظيفته أن يقنعوا أنفسهم أولاً، وأن يعيدوا تموضعهم السياسي تحت هذه اليافطة الآتية من خارج عالم السياسة.
لم يكترث أصحاب هذه المقولة بأنها تنتمي إلى أشدّ أنواع الفكر السياسي رثاثة وانحطاطاً، فتقسيم البشر على أساس الشبه لطالما استخدمته الفاشيات، ووصل القاع الإنساني مع النازية. على صعيد الشكل، يصعب القول بنموذج جسدي (عِرقي) لبلد متوسطي مثل سوريا، فالمنطقة عبر تاريخها شهدت اختلاطاً وتمازجاً جعل لأبنائها طيفاً واسعاً من السحنات المختلفة والمتباينة. بهذا المعنى، مَن يشبه فئة ما (إذا صحّ الشبه) فهو قطعاً لا يشبه على الإطلاق (أو بتدرجات) فئات أخرى واسعة من السوريين.
وفيما يخص نمط العيش، بعيداً عن السياسة مؤقتاً، فمن المؤكد أن نمط عيش بشار الأسد وثلته لم يكن يشبه نمط عيش معظم السوريين، سواء من الثائرين عليه أو الموالين له. فهو لا يشبههم لأنه يعيش كوريث سلطة وثروات، قبل الخوض في جرائمه، إلا أن سحنته وسحنة زوجته، الحمصية الأصل، تشبهان الكثير من السوريين والسوريات. وإذا كان هناك من يتوهم فرز أنواع السحنات على أساس طائفي فإن الواقع يكذّبه، وأية جولة على أبناء وبنات أي مذهب في سوريا كفيلة بتبيان التنوع ضمنه المذهب الواحد.
لقد كان القول "إنهم يشبهوننا" بمثابة اقتراع شعبوي لصالح السلطة الجديدة، هكذا توهّم أصحابه. أما مقاربة وقائع السنة الماضية فتفيد بالعكس تماماً، ونعني به أن هؤلاء وآخرون انضموا إليهم لاحقاً هم الذي يشبهونهم. وبالعودة إلى الوراء، فالحق أن الأسد وسلطته لم يكونا يشبهان عموم السوريين بالمعنى التمثيلي الديموقراطي، لكن قوة السلطة وجاذبيتها دفعت بالملايين كي تتشبّه به وبسلطته. لدينا مثال شديد البروز عن مئات آلاف الشبان الذين تشبّهوا يوماً بباسل الأسد على صعيد الشكل، عندما كان يسوَّق كوريث متعدد المواهب، وبعد التذكير بذلك لا بأس بالانتباه إلى عدم وجود شبه بارز بين سحنة باسل وسحنة شقيقه بشار.
ما يفعله الاستبداد، أعمق من الأمثلة الشكلانية، هو حرمان الخاضعين له من الانتظام حول توجهات متشابهة، أي أنه يمنع فعلياً اجتماع المتشابهين ومن ثم المختلفين، لتبقى السلطة هي المركز والمعيار الوحيد. أي أن الخاضعين للاستبداد هم الذين يتمثّلون السلطة، لا هي التي "تشبههم" أو تمثّلهم. بتعبير مبسّط، هم الذين يشبهون السلطة، لا العكس.
ولا تندر المغالاة في التشبّه بالسلطة. فقد رأينا على سبيل المثال موالين لسلطة الأسد أكثر تطرفاً منها، حتى في نزوعها الإجرامي الإبادي، ليشبهوا السلطة أكثر مما تشبه ذاتها! بل إن واحدة من أدوات السلطة هم أولئك الذين يُظهرون تطرّفاً بالشبه بها أعلى منها، لتبدو بالمقارنة معهم أشدّ اعتدالاً ورأفة بالمختلفين معها؛ هي أداة ترهيب بالمغزى المباشر، وأداة تطويع على المدى الأبعد.
واحد من النجاحات الخطيرة لحقبة الأسد نراه في قابلية السوريين للتطويع والتكيّف مع السلطة، هذه المرونة أتت أولاً تحت طائلة العنف المباشر أو الرمزي خلال عقود من حكم الأسد، ثم حصل شيء مشابه من الهندسة الاجتماعية في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، ومنها إدلب التي فرضت فيها هيئة تحرير الشام نموذجاً اجتماعياً على النساء مخالفاً ما كان معروفاً وسائداً منذ ما قبل حكم الأسد. وقد شهدنا خلال السنة الماضية نوعين من التطويع فيما يخص النساء، الأول هو الحجاب الذي يبدو طوعياً في العديد من الأنحاء، وإن كان مسنوداً بحملات لترويجه هو والنقاب من جهات قريبة من السلطة. والثاني قسري، حيث راح الحجاب ينتشر في بعض الأوساط كنوع من التقية وتفادي الخطر، خصوصاً لإخفاء المنبت المذهبي لدى نساء غير سنّيّات. والتجلي الأفظع لمعنى الإكراه ظهورُ تسجيلات لنساء مختطفات، علويات ودرزيات، محجبات لدى الخاطفين بخلاف ما اعتدن عليه.
الأمر بمجمله لا يتوقف عند النساء، وإن دفعن عادة أثماناً خاصة بهن. فقول "إنهم يشبهوننا"، والسير عملياً وراء "التشبّه بهم"، سارا على قدمين وساقين طوال الوقت. ولقد عايشنا على نحو خاص فئات كانت تناصب الإسلاميين العداء، ثم لم تكتفِ بالتراجع عن العداء القديم، بل صارت هذه الفئات من أشدّ المدافعين عن أخطاء السلطة الحالية، بما فيها الأخطاء التفصيلية الصغيرة التي يتراجع ويعتذر عنها أشخاص في السلطة نفسها. في مثال طازج، تراجعت واعتذرت جريدة الثورة الحكومية عن نشر كاريكاتير يُظهر المطالبين بدولة مدنية وبالشفافية على أنهم فئران أو جرذان خارجين من تمثال الأسد.
لدى السوريين إرث قريب يتعلق بهذا النوع من النعوت، ففي مستهل الثورة وصف الأسد معارضيه بالجراثيم وبأوصاف أخرى مشابهة تنزع عنهم صفة البشر. إلا أن تراجع واعتذار الجريدة لم يرضيا المتشبّهين الجدد بالسلطة، فراحوا يبررون للرسم بأنه يقصد أعوان الأسد الذين تحوّلوا للمطالبة بدولة مدنية وشفافية. هؤلاء أنفسهم واجهوا المعترضين على استخدام الشرع، ضمن خطاب من على منبر الجامع الأموي، عبارة: "أيها السوريون، أطيعونا ما أطعنا الله فيكم". المعترضون انطلقوا من رفض استخدام تعابير الطاعة في الحقل السياسي المعاصر، وأطرف ما قوبلوا به هو أنهم لا يفهمون هذه اللغة التي استخدمها فيما مضى الخليفة الراشدي الأول، لأنهم اعتادوا على أفكار بعيدة عن الواقع. هكذا، من وجهة نظر المبرّرين، يصبح زمن الخلافة الراشدية أقرب من زمن مقولات الحرية والديموقراطية.
ولن يكون مفاجئاً أن يبرر هؤلاء أنفسهم لما يُثار حول منع الآلات الموسيقية، المعازف تحديداً، وهذه الآلات غابت عن جداول التعرفة الجمركية الخاصة بالاستيراد. قيل إن إلغاء حفلة مالك الجندلي، في ساحة الساعة في حمص لمناسبة ذكرى سقوط الأسد، كان بسبب وجود آلات العزف. وعلى النقاط الحدودية يُسمح بإخراجها، أما عودتها فرهن بمزاج القائمين على النقاط الحدودية، إذ لا قرار يمنع أو يبيح مصادرة آلات العزف من أصحابها. لكننا بالتأكيد نعلم من أي فرع فقهي أتى تحريم المعازف، والتشدد في استخدام الرق للإيقاع أثناء الإنشاد لا غير، ولن نعدم من يتشبّه بهذه الأرومة الفقهية تزلفاً إلى السلطة الحالية، كي يكون أكثر شبهاً بها مما تشبه هي نفسها.
لم يكن مفاجئاً، ولن يكون، أن يؤول سريعاً قولُ "إنهم يشبهوننا" إلى العكس؛ أي إلى التشبّه بهم، بما يعنيه ذلك من التماهي مع السلطة، ومن ثم معاداة الاختلاف، ومعاداة الحرية ضمناً بوصفها اختلافاً. وما تجدر ملاحظته أن المتشبِّهين الجدد لم يأخذوا عبرةً من أسلافهم، فضلاً عن انضمام الأسلاف إليهم، ونعني بالعبرة أن الأشباه لا يحرسون السلطة من ذاتها.
