جاء الحكم على صانع المحتوى المصري، محمد عبد العاطي، بالحبس عامين وغرامة مئة ألف جنيه، بتهم نشر محتوى مرئي خادش للحياء ومخالفاً للآداب العامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليجدد القلق بشأن حملة البطش التي تشنها حالياً السلطات ضد الأنشطة "غير السياسية" على الفضاء الرقمي. وهي الحملة المنهجية التي تؤطرها تمييزات جندرية وطبقية واضحة، حيث تُستهدَف النساء والرجال ممن ينتهجون سلوكاً يعد خارجاً على أدوارهم الجندرية و"أكواد" (مدونة) السلوك الاجتماعي للطبقات الدنيا أو المتوسطة الدنيا التي ينتمون إليها. ينتسب عبد العاطي مثل غيره من المستهدفين إلى قاع الطبقة الوسطى، وإلى حي فيصل الشعبي الذي استقرت بها عائلته بعد عودتها من السعودية.
اللافت أن فيديوهات برنامج عبد العاطي "مع كامل الاحترام" خفيفة الدم، تمارس رقابة ذاتية على لغتها، بتغطيتها على ألفاظ السباب المتكررة التي يستخدمها مثل عموم المصريين بكاتم صوتي، هو صوت بطة. لكن حيلة عبد العاطي اللعوبة لا تنجيه، فسواء استشفينا السبة المكتومة أم لا، فكل بطبطة هي علامة مموهة على لفظة نابية. و في عين السلطة القامعة الإيحاء وحده كافٍ للإدانة. يدان عبد العاطي مرتين، مرة لأن أداءه على الشاشة يتماهى مع انتسابه الطبقي، ومرة ثانية بالعكس لأن نشاطه الرقمي يكسر حدود الفواصل الطبقية. من الناحية الأولى، تعد الشاشة هي فضاء التمثيل، الذي ظل حتى وقت قريب حكراً على السلطة والرأسمال، ومفصولاً عن اليومي، فلا تكون الشاشة تمثيلاً لليومي بل لمثال متخيل لما يجب أن يكون عليه، وذلك في الأغلب بحسب قواعد سلوك طبقة وسطى حقيقة أو متخيلة. يكسر عبد العاطي، مثل غيره من صناع المحتوى الاحتكار السلطوي والنخبوي لفضاء التمثيل. وعبر تماهيه مع لغة طبقته يرفع الحواجز بين هذا الفضاء والفضاء الاجتماعي، وبين اللغة النموذجية ولغة اليومي.
أما من الناحية الأخرى، يدان عبد العاطي في تلك القضية بتهمة غسيل الأموال. وكما تشير تفاصيل التحقيقات والتغطية الإعلامية لها ثمة هوس بالعلاقة بين زيادة المشاهدات وتحقيق الربح المادي أو "الثراء السريع"، بحسب التغطية الإعلامية. هنا يعاقب عبد العاطي بسبب تعديه على ضوابط الحراك الطبقي، المفترض بمفاتيحها أن تظل في يد ممثلي السلطة.
كالعادة، لا تعمل "الفاشية الرقمية" عبر أدوات السلطة وحدها؛ بل تعمل بمشاركة أهلية. بشكل دؤوب تراقب الأجهزة الأمنية شبكات التواصل الاجتماعي عن قرب، وتتحرك أحياناً بنفسها، لكن في حالة عبد العاطي تلقت السلطات سلسلة من البلاغات ضده وتحركت بناء عليها. في حملة الحياء العام الممتدة بطول خمسة أعوام الأخيرة، كانت معظم البلاغات المقدمة ضد صناع المحتوى تأتي من محامين. تشجع السلطة منهج "الحسبة" الأخلاقية هذا، لتحقق هدفين. أولاً أن يكون الجمهور نفسه هو عين السلطة، وكأنها حاضرة في كل مكان وتراقب في كل الاتجاهات وطوال الوقت، وثانياً لتصوير حملاتها القمعية على أنها استجابة لطلب مجتمعي بالتدخل. هكذا يحدث التلاقي الملفق بين أجهزة الأمن والمؤسسات القضائية والمجتمع، على تلك الأرضية من الهلع الأخلاقي.
يشكل كل وسيط جديد تحديات أمام السلطة وأجهزتها الضابطة، بالنسبة للفضاء الرقمي يبدو التحدي هائلاً مركباً ومعدد المستويات. كونه يخلق فضاء كاملاً موازياً للفضاء المادي ومتداخلاً معه. ومن ناحية تقنية تتسارع التغيرات على الشبكة وعمقها وتطبيقاتها، بشكل يجعل ملاحقتها عملية متواصلة ومجهدة، كما أنها عصية على فهم مسؤولي الجهات الأمنية والسياسيين غير المتخصصين.
ومن ناحية البنية الاجتماعية، يمثل النشاط على الفضاء الرقمي تحدياً للتراتبيات والمواقع الجندرية والطبقية وذات الارتباط بالتصنيفات الاجتماعية الأخرى. بعد نجاح السلطة في تقييد النشاط السياسي على الشبكات الاجتماعية بفعل حملة طويلة من الرعب، تتوجه الآن لضبط كافة أوجه النشاط في الفضاء الرقمي كما في خارجه.
