بعد عام: أين كانت سوريا وأين صارت؟

سميرة المسالمةالثلاثاء 2025/12/09
Image-1765218970
قوة السلطة تكون أيضاً بتحقيق عدالة التمثيل والمشاركة (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد عام واحد من الحكم، يمكن القول أن السلطة الجديدة في سوريا، تمكنت من تأمين كثير من الخدمات الأساسية للمجتمع السوري، في مجال التعليم والصحة والخدمات البلدية والإدارية، وضمنها البدء بإعادة تأهيل البني التحتية، من الكهرباء والاتصالات والمواصلات والطرق، ومحاولاتها إدارة عجلة الاقتصاد، والانتقال به من اقتصاد موجّه (تحكمه رموز فاسدة، وهو معيارياً لا ينتمي إلى أي من تعريفات الاقتصادات العالمية، بما في ذلك " الاقتصاد الاشتراكي")، إلى اقتصاد السوق الحر وفق خطوات متمهلة. وأيضاً، محاولة رفع مستوى معيشة السوريين من خلال الالتفات إلى واقع الدخل المتدني، ومحاولة موازنته مع متطلبات الاحتياجات اليومية.

 

هذه التقدمة لا تتعلق ببذل المديح للحكومة الانتقالية. فهذا واجبها، أو تلك هي مهمتها. بيد إن هذا الحديث معني بلفت الانتباه، لدى مناقشة الوضع السوري، إلى عدد من المسائل، أهمها، أن سوريا التي حكمها نظام الأسد القمعي منذ نحو 54 عاماً بكل مقدراتها لم يبق منها شيء، أو يمكن القول إنها بدأت مع تحريرها في 8 كانون الأول 2024 من الصفر، أو ما دون ذلك، في كل شيء. أي أنها مجرد أثر لمؤسسات متهاوية، بالنظر لكل ما مر بها، وبالتحديد طوال 14 سنة من حرب وحشية على الشعب السوري.

تبعاً لذلك، فإن الحديث لا يتعلق ببلد طبيعي يجري العمل على تطويره. لأنه واقعياً يفتقر للإمكانيات والموارد المادية والتقنية، علماً أن جزءاً كبيراً من ذلك يتعلق بالدعم الخارجي، وحصد نتائج رفع العقوبات المفروضة على سوريا عملياً، ما يقي البلد من حال انهيار أجهزة الدولة كاملة، ويمكّنها من حل التعقيدات الداخلية، والتحديات الخارجية التي تمثلها الاعتداءات والتدخلات الإسرائيلية فيها، التي تعرقل مسار تكون الدولة الموحدة، واستنهاض الاقتصاد والسلم الأهلي.

 

ومع كل الظروف المحيطة بالسلطة الجديدة التي تثقل كاهلها، يمكن القول إن القيادة السورية تقدمت في المجالات الخارجية، نسبة للصعوبات والتعقيدات والتحديات التي تواجهها، لكن ذلك، لا يغطي على أنها لا تزال داخلياً تحتاج لبذل جهود كبيرة في مجال تحديد هوية النظام السياسي، وتعزيز المشاركة السياسية، في الإدارة وفي تقرير الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى صعيد التمثيل الشعبي، وتعزيز الثقة بين السوريين، من دون أي تمييز، من أي نوع كان.

مع ذلك يحتسب للقيادة السورية -سواء كان ذلك بفعل طبيعة المتغيرات الدولية في المنطقة، وتغيير خريطة النفوذ المستقبلية التي وضعتها دول كبرى، أو بجهودها الديبلوماسية، أو كلاهما خدم الآخر- أنها استطاعت فك عزلة سوريا على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي، إذ باتت في العام الماضي بمثابة الدولة الأكثر نشاطاً على صعيد العلاقات الخارجية، مع الدول، وغيرت من صورة سوريا والسوريين أصحاب الثورة إزاء الرأي العام العالمي. وهو الأمر الذي تمت إدارته من القيادة السورية، بحكمة ومرونة وتمكّن، آخذة بالاعتبار أهمية الانفتاح على العالم، لتعزيز قدرة سوريا على الخروج من حال التدهور الذي كانت تعيشه، ومنح السوريين الأمل بفرصة العيش الكريم، واستعادة ثقتهم بذاتهم وبمكانتهم. وهذا تحديداً ما يحتفل به كل السوريين، ويعبرون عن فرحهم به في الساحات العامة والشوارع، مدركين أن وحدتهم هي السبيل لتحصين سوريا إزاء التحديات الخارجية، خصوصاً الإسرائيلية منها. 

 

على الصعيد الإقليمي، يعد رفض سوريا التسليم بضم الجولان للاحتلال الإسرائيلي، وتأكيد ثبات موقف سوريا بشأن حقها في استعادة أرض الجولان السوري المحتل، وبالتمسك بخطوط الهدنة لعام 1974، ومساندة الشعب الفلسطيني بحقه في إقامة دولة له، بقيادة ممثله الشرعي الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، بمثابة نقاط القوة التي تسببت بقلق إسرائيلي تجاه الحكم الجديد، بدلالة محاولات اسرائيل التدخل في الشأن الداخلي، بالوسائل السياسية والعسكرية، من مدخل طائفي، أو من مدخل الادعاء بضرورات أمنها القومي، أو من مدخل محاولاتها فرض التسليم بضم الجولان السورية، وهي المحاولات التي صدتها القيادة السورية، بموقف واضح، وصريح، وبالاعتماد على الأطراف العربية والدولية والإقليمية المساندة لمنح سوريا فرصة استعادة نفسها كدولة طبيعية في المنطقة. 

 

المهم الآن، أن إنجازات أو نجاحات القيادة السورية على الصعيد الخارجي، يفترض أن تتحصن وأن تقوى، وأن ينطلق ذلك من النجاحات الداخلية، على صعيد بناء الدولة والمجتمع، كي تضمن استمراريتها وتطورها، بما يخدم سوريا المستقبل، وبما يعزز ثقة الشعب ببلده ودولته، التي خطت بثبات خطواتها الأولى نحو الاستقرار والانفتاح.

 لهذا، كل شيء ينبغي أن يصدر، بعيداً عن الأوهام والشعارات الكبيرة، ومن حقيقة أن سوريا بلد محدود الإمكانيات، ومستنزف حتى العظم، سواء بسبب إدارة نظام الأسد لملف الداخل السوري واجرامه بحق السوريين، أو اصطفافاته التدميرية مع إيران في ملف العلاقات الخارجية. لذا، فإن رأسمال البلد الحقيقي الآن يكمن في موارده البشرية، وفي سعيه ليكون على خلاف ما عرفه جيرانه لعقود مضت، كما كان حاله مع لبنان على سبيل المثال لا الحصر. أي أن تكون سوريا دولة استقرار  في المنطقة، إسوة بدول صغيرة أخرى. وهذا ما يجعلنا نقدر عالياً تعزيز السلطة السورية الجديدة سياساتها المنفتحة على دول المنطقة والعالم، بالتساوق مع حقيقة أن القوة الحقيقية لأي سلطة تنبع من قدرتها على تمتين وحدة الشعب، وتحقيق عدالة التمثيل والمشاركة، وبسط الأمن والأمان في كامل الأراضي السورية، في دولة مؤسسات وقانون ومواطنين. فهذا وحده ما يقوي سوريا ويستثمر في نجاحاتها الخارجية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث